ساحة النور والميزان الحضاري: هل تكفي قاعدة «الدولة للمشترك والمجتمع للمعنى»؟
ساحة النور والميزان الحضاري: هل تكفي قاعدة «الدولة للمشترك والمجتمع للمعنى»؟
قراءة في مقال د. مصطفى قراعلي
بقلم: أحمد ستيتة
بعد نشر د. مصطفى قراعلي مقاله «إخراج اسم محمد من ساحة النور: حدود الدولة وحدود المجتمع»، رأيت أن القضية تستحق قراءة أخرى من زاوية «الميزان الحضاري»؛ لا للرد على المقال، بل لمواصلة السؤال الذي فتحه: إذا كانت الدولة للمشترك والمجتمع للمعنى، فما الميزان الذي يحفظ حدود كل منهما؟
قرأت مقال الدكتور مصطفى قراعلي: «إخراج اسم محمد من ساحة النور: حدود الدولة وحدود المجتمع»، لا بوصفه مجرد موقف من قضية طرابلسية راهنة، ولا بوصفه دفاعًا عن مجسّم أو اسم في ساحة عامة فحسب، بل بوصفه محاولة لفتح سؤال أوسع بكثير:
أين تنتهي سلطة الدولة، وأين يبدأ حق المجتمع في إنتاج معناه؟
وقد استوقفني في المقال، على وجه الخصوص، قوله:
«الدولة للمشترك، والمجتمع للمعنى؛ ولكلٍّ حدود اختصاصه».
وهي عبارة مكثفة تستحق، في رأيي، أن تُناقش أبعد من قضية ساحة النور نفسها؛ لأنها تلامس سؤالًا أشتغل عليه منذ مدة في إطار ما أسميه «الميزان الحضاري»، انطلاقًا من قوله تعالى:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾
[الحديد: 25].
فالميزان، في هذا التصور، ليس أداة لإثبات صحة موقفنا مسبقًا، وإنما معيار نزن به مواقفنا نحن، ومواقف الآخرين، وموقع الدولة والمجتمع والفرد والجماعة، بحيث لا يتحول الحق إلى امتياز لنا وحدنا.
ومن هنا يبدأ السؤال:
هل تكفي فعلًا قاعدة «الدولة للمشترك، والمجتمع للمعنى»؟
أم أننا نحتاج إلى ميزان يحدد: ما هو المشترك؟ ومن يعرّفه؟ ومن يملك حق إنتاج المعنى؟ وما حدود هذا الحق؟ وماذا يحدث عندما تتعدد المعاني داخل المجتمع نفسه؟
- ساحة النور ليست صفحة بيضاء
هنا تحديدًا أعتقد أن خصوصية طرابلس تفرض نفسها على أي قراءة جادة للقضية.
فساحة النور، أو ساحة عبد الحميد كرامي، ليست مجرد مساحة هندسية تديرها البلدية، ولا فراغًا عامًا بلا ذاكرة.
وهي كذلك ليست ساحة تتحدث باسم اجتماعي واحد، مهما كانت الغلبة العددية أو الرمزية لأي مكوّن من مكوّنات المدينة.
لقد عرفت الساحة نفسها في مراحل سابقة جدلًا حول الرموز الدينية في فضائها العام، ومن ذلك الجدل الذي رافق وضع اسم الجلالة «الله» في وسط الساحة، حيث لم يكن المجتمع الطرابلسي على موقف واحد منه، بل ظهرت مواقف مؤيدة وأخرى معارضة، وجرى النقاش حول معنى الرمز وموقعه في فضاء عام مشترك.
وهذه السابقة مهمة جدًا في قراءة القضية الحالية.
لأن السؤال اليوم ليس أول سؤال تطرحه طرابلس حول حضور الرمز الديني في ساحاتها.
لقد سبق أن اختبرت المدينة هذا النوع من الأسئلة.
واليوم يأتي اسم «محمد» أو المجسّم الذي يحمل اسمه ليعيد طرح المسألة من زاوية أخرى.
وهنا يصبح من المشروع أن نسأل:
ما الذي تغيّر؟
هل تغيّر المبدأ؟
أم تغيّر الرمز؟
أم تغيّر الظرف الإداري؟
أم أن المجتمع نفسه يعيد التفاوض، في كل مرة، حول ما يريد أن يراه في فضائه العام؟
- اسم الجلالة واسم محمد: هل المسألة واحدة؟
لا ينبغي أن نتعامل مع اسم الجلالة «الله» واسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم باعتبارهما متطابقين من حيث الدلالة الدينية أو الرمزية.
فهما مختلفان من حيث المعنى والمقام والرمزية.
لكن المقارنة التي تهم «الميزان الحضاري» ليست في التطابق بين الرمزين، وإنما في سؤال أعمق:
كيف نضع معيارًا عامًا للتعامل مع الرموز الدينية في المجال العام؟
فإذا كان الرمز الديني يدخل إلى فضاء مشترك، فهل معيار قبوله أو إزالته هو طبيعته الدينية وحدها؟
أم طريقة وضعه؟
أم مشروعيته القانونية؟
أم موافقة المجتمع؟
أم عدم اعتراض فئة من المجتمع؟
أم وجود إكراه على الآخرين؟
أم كل هذه العناصر مجتمعة؟
هنا تنتقل القضية من «هل نحب الرمز أم لا؟» إلى السؤال الأهم:
ما القاعدة العادلة التي يمكن تطبيقها على الرموز المختلفة؟
- المجتمع ليس صوتًا واحدًا
من السهل أن نقول:
«هذا هو معنى المدينة».
لكن المدن ليست كائنات ذات صوت واحد.
طرابلس لها تاريخ وذاكرة وهوية وخصوصية ثقافية ودينية راسخة، وهذا لا يعني أنها خالية من التعدد داخل مجتمعها.
بل إن الجدل السابق حول اسم الجلالة نفسه يذكّرنا بأن المجتمع الطرابلسي يمكن أن يختلف حول الرمز الواحد.
وهذه ليست نقطة ضعف.
بل قد تكون إحدى علامات الحياة الاجتماعية والسياسية.
فالمجتمع الذي يختلف ويتحاور حول معنى فضائه العام، ثم يبحث عن صيغة مشتركة، هو مجتمع يمارس السياسة والثقافة بصورة حية.
لذلك فإن القول إن «المجتمع ينتج معناه» يحتاج إلى سؤال إضافي:
أي مجتمع؟
وهل معنى الأكثرية هو بالضرورة المعنى الوحيد الممكن؟
وكيف نحمي حق الأقلية عندما تختلف مع الأكثرية؟
وكيف نحمي في الوقت نفسه حق الأكثرية من أن تتحول الأقلية إلى صاحبة حق تعطيل دائم لكل تعبير لا يعجبها؟
هنا يبدأ دور الميزان.
- الاختبار الحقيقي ليس في الرمز الذي نحبّه
وهذه، في رأيي، أهم نقطة في القراءة كلها.
إذا قلنا إن من حق المجتمع أن يضع رمزًا دينيًا يعبّر عن وجدانه، فيجب أن نسأل:
هل نقبل المبدأ نفسه عندما يكون الرمز مختلفًا؟
إذا كان الرمز إسلاميًا، فهل المعيار الذي نحمي به وجوده هو نفسه الذي سنحمي به رمزًا مسيحيًا؟
وإذا كان الرمز مسيحيًا، فهل نقبل المعيار نفسه إذا كان الرمز يهوديًا؟
وإذا كان الرمز دينيًا عمومًا، فهل ينطبق المبدأ نفسه على رمز ثقافي أو تاريخي أو فكري لا نتفق معه؟
وإذا اختلف أهل المدينة أنفسهم حول الرمز، فما المعيار؟
هنا يظهر الفرق بين «الموقف» و«الميزان».
الموقف يقول:
أنا مع هذا الرمز.
أما الميزان فيقول:
ما القاعدة التي تحمي حق وجود هذا الرمز، وتحمي في الوقت نفسه حق المختلف في ألا يُكره عليه؟
- الحياد ليس محوًا للمعنى
من النقاط المهمة في مقال د. قراعلي رفض اختزال الحياد في إفراغ المجال العام من كل تعبير ديني.
وهذه مسألة تستحق التوقف.
فالحياد يمكن أن يعني أن الدولة لا تتبنى عقيدة دينية باعتبارها عقيدة رسمية تفرضها على مواطنيها.
لكنه لا يعني بالضرورة أن المجتمع يجب أن يتصرف في المجال العام وكأنه بلا دين أو ذاكرة أو ثقافة أو رموز.
هناك فرق بين:
حياد الدولة تجاه المعتقدات،
وبين تجريد المجتمع من معتقداته.
وبين:
عدم فرض الدين بالقوة،
وبين منع الناس من التعبير السلمي عن دينهم.
وهذه الحدود الدقيقة هي التي تجعل مفهوم «المدنية» بحاجة إلى ميزان، لا إلى شعار.
- ولكن الحياد له وجه آخر أيضًا
كما يجب ألا تتحول الدولة إلى سلطة تمحو معنى المجتمع، لا يجوز أن يتحول المجتمع إلى سلطة تفرض معنى واحدًا على الدولة وعلى كل المواطنين.
فالدولة الحديثة ليست ملكًا للأكثرية وحدها، كما أن المجتمع ليس كتلة متجانسة.
الدولة تحمي المشترك.
والمجتمع ينتج المعنى.
لكن الفرد أيضًا له حقه.
والأقلية لها حقها.
والأكثرية لها حقها.
والجماعة لها مجالها.
والقانون له مجاله.
ومن هنا يصبح السؤال الأهم:
كيف نمنع كل طرف من تجاوز حدّه؟
هذه هي المسألة التي أرى أن «الميزان الحضاري» يمكن أن يضيفها إلى النقاش.
- من «حدود الدولة والمجتمع» إلى «ميزان الحقوق والاختصاصات»
ربما تكون الصياغة الأدق هي ألا نسأل فقط:
أين تنتهي الدولة وأين يبدأ المجتمع؟
بل أن نسأل أيضًا:
ما حق كل طرف؟
ما واجبه؟
ما اختصاصه؟
ما حدّه؟
وما الذي لا يجوز له تجاوزه؟
فالدولة لا يجوز أن تتحول إلى وصي على الضمير.
والمجتمع لا يجوز أن يتحول إلى دولة داخل الدولة.
والأكثرية لا يجوز أن تجعل أكثريتها مبررًا لإلغاء الأقلية.
والأقلية لا يجوز أن تجعل اختلافها مبررًا لإلغاء الأكثرية.
والفرد لا يجوز أن يُختزل في الجماعة.
والجماعة لا يجوز أن تُختزل في الفرد.
والمجال العام لا يجوز أن يصبح ملكًا معنويًا للسلطة لمجرد أن السلطة تديره.
وهنا يصبح «الميزان» شبكة من العلاقات المتوازنة، لا مجرد خط فاصل بين الدولة والمجتمع.
- ساحة النور: من الرمز إلى القاعدة
لهذا، فإن أهمية قضية ساحة النور، في رأيي، لا تتوقف عند السؤال:
هل يعود اسم محمد إلى الساحة أم لا؟
بل تتجاوز ذلك إلى سؤال:
ما القاعدة التي نريد أن تحكم ساحة النور اليوم، وكل ساحات لبنان غدًا؟
إذا كانت القاعدة أن الرمز الديني ممنوع في المجال العام، فهذه قاعدة ينبغي مناقشتها في ذاتها.
وإذا كانت القاعدة أن الرمز الديني مسموح ما دام لا يفرض إكراهًا على أحد ولا يخالف القانون، فهذه أيضًا قاعدة ينبغي أن تكون عامة.
أما أن يكون الحكم مختلفًا بحسب الرمز الذي نحبه أو نكرهه، فهنا نكون قد خرجنا من «الميزان» إلى «الهوى».
والميزان الحقيقي يُختبر خصوصًا عندما تكون كفته في مصلحتنا أو ضدها.
- «الترجيح لا الترشيح»
وهنا أستعيد قاعدة أعمل عليها في مشروع «الميزان الحضاري»:
«الترجيح لا الترشيح».
أي ألا نختار النتيجة أولًا، ثم نبحث عن الأدلة التي تؤيدها.
بل نحدد المعيار أولًا، ثم نعرض جميع الأطراف عليه.
وبهذا المعنى، لا ينبغي أن يكون السؤال:
كيف نثبت أن اسم محمد يجب أن يبقى؟
بل:
ما المعيار العادل الذي يحدد بقاء هذا الرمز أو تغييره أو نقله أو تطويره؟
ثم نطبق المعيار نفسه على أي رمز آخر، مهما كان صاحبه أو مضمونه.
فإذا أعطى المعيار النتيجة نفسها عندما تتغير مواقعنا، اقتربنا من العدل.
وإذا تغير المعيار بمجرد أن تتغير هويتنا أو مصلحتنا، فعلينا أن نراجع أنفسنا.
- من طرابلس إلى لبنان
لهذا أرى أن ساحة النور يمكن أن تكون فرصة تتجاوز طرابلس.
ليس المطلوب أن تصبح طرابلس نسخة عن مدينة أخرى.
ولا أن تُجرّد من تاريخها أو هويتها.
ولا أن تُفرض عليها هوية من خارجها.
وفي الوقت نفسه، ليس المطلوب أن تتحول هوية المدينة إلى أداة لإقصاء أي مواطن آخر.
المعادلة الأصعب، والأكثر حضارية، هي:
مدينة تحفظ ذاكرتها دون أن تسجن أبناءها فيها.
ودولة تحمي المشترك دون أن تصادر المعنى.
ومجتمع ينتج معناه دون أن يحوّله إلى إكراه.
وفرد يعيش هويته دون أن يسلب الآخرين حقهم في هوياتهم.
وهذه، في رأيي، ليست مجرد مسألة «مدنية» بالمعنى السياسي الضيق، بل سؤال حضاري كامل.
- كلمة إلى د. مصطفى قراعلي
ولعل أجمل ما في هذا المقال، بالنسبة إليّ، أنه يتيح لنا أن نختلف ونتحاور من موقع البحث عن المعيار، لا من موقع الخصومة.
وقد تكون بيننا اختلافات في الرؤية والمنهج والتفسير، وهذا أمر طبيعي في أي بحث جاد.
لكن إذا كان مقصدنا جميعًا أن نبحث عن دولة عادلة، ومجتمع حر، وإنسان مصان الكرامة، فلا ينبغي أن نخاف من الحوار.
بل ربما تكون قيمة «الميزان» الحقيقية في أن يستطيع الإنسان أن يضع فكرته هو نفسه على كفته، ثم يقبل بما يظهر له من نتيجة.
ومن هنا أرى في عبارة د. قراعلي:
«الدولة للمشترك، والمجتمع للمعنى»
نقطة انطلاق مهمة.
لكنني أقترح أن نضيف إليها سؤال الميزان:
ومن يزن المشترك؟
ومن يزن المعنى؟
وما القاعدة التي تضمن ألا يتحول أحدهما إلى سلطة على الآخر؟
فربما تكون الصيغة الأكثر اكتمالًا:
الدولة للمشترك،
والمجتمع للمعنى،
والفرد للكرامة والحرية،
والقانون للإطار الجامع،
والميزان للعدل.
وهنا فقط يمكن أن ننتقل من الدفاع عن ساحة النور إلى بناء قاعدة تصلح لطرابلس، وللبنان، ولأي مجتمع يريد أن يجمع بين الدولة المدنية والهوية الحية.
فالغاية في النهاية ليست أن تنتصر الدولة على المجتمع، ولا المجتمع على الدولة.
ولا أن ينتصر رمز على رمز.
ولا أن ينتصر فريق على فريق.
بل أن يقوم الناس بالقسط.
وهذا هو الامتحان الحقيقي للميزان.
أحمد ستيتة
22 أيلول 2026
تنشر «منصة عشرة» هذه القراءة في سياق الحوار الفكري حول قضية ساحة النور، وما أثارته من أسئلة تتصل بحدود الدولة، ودور المجتمع، ومعنى الحياد، والعدالة في المجال العام.



اكتشاف المزيد من عَشرة | منصّة عَشَرة للمحتوى الموزون
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
