الدستور اللبناني في مئويته: يُطبَّق أم يُستبدَل؟ رأيان متقابلان

طرحنا الأسئلة نفسها، ضمن التحضير لورقة «الدستور اللبناني في الميزان»، على رجلين يقفان على طرفي نقيض: الدكتور سمير حسن عاكوم من «حماة الدستور»، الذي يدعو إلى تطبيق دستور الطائف واستكمال مؤسساته، والأستاذ وليد المحب من هيئة إعداد الدستور، الذي يدعو إلى دستور جديد. نضع هنا الرأيين وجهًا لوجه بكلماتهما، وللقارئ أن يقرأ كل مقابلة كاملة:

أين الخلل: في النص أم في روحيته أم فيمن يطبّقه؟

تميّز ورقتنا بين أربعة مواضع محتملة للخلل: النص، والتشريع المنفّذ، والتفسير، والتطبيق. وهنا يبدأ الافتراق.

د. عاكوم يقبل التمييز، ويضرب لكل موضع مثالًا من الدستور. لكن خلاصته أن «المشكلة اللبنانية ليست في النصوص بل في منظومة سياسية ميليشياوية تُفرغها من مضمونها»، ويستأنس بقوله تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ للتعبير عن الفجوة بين الالتزام المعلن بالمبادئ والوفاء بمقتضياتها.

الأستاذ المحب يرفض التمييز من أساسه، لأن الخلل عنده أسبق من النص والتطبيق معًا: إنه في «روحية» الدستور. فالدستور برأيه ينبغي أن يسهم في جعل الشعب أمة، أما دستورنا «فيفرّقنا ويجعلنا مكوّنات». ومن هنا حجّته المركزية: «إذا طبّقوه تطبيقاً صحيحاً، فهم يطبّقون الخطأ»، و«ما بُني على باطل فهو باطل». وحتى المواد القوية الصياغة، كالنفاذ الحكمي للقوانين، لا تنقذ النص عنده، فهي «السمّ في العسل». ووظيفة الدستور التي يريدها أن ينشر الروح في المجتمع، ويهذّب سلوك الحكّام والمحكومين، ويحوّل الشعب إلى أمة واحدة بقيم جامعة. ويضيف أن السؤال الأخطر ليس ما المكتوب في الدستور، بل ما ليس مكتوبًا فيه: الحقوق الاقتصادية، وحق المنافسة، وحماية المستهلك، وباب للتعليم.

تطبيق وتعديل محدود، أم دستور جديد؟

د. عاكوم: أقوى حجة عنده أن استبدال الدستور قبل معالجة أسباب تعطيله «قد ينقل الأزمة من مستوى التطبيق والمؤسسات إلى مستوى النصوص نفسها». ولا يستبعد التعديل، لكنه يشترط له خمسة شروط، أولها إثبات خلل لا يُعالج بالتشريع أو التطبيق. ويصف الدعوة إلى دستور جديد قبل استنفاد تطبيق الطائف بأنها «مراهقة دستورية/سياسيّة».

الأستاذ المحب: التعديل عنده «ترقيع فوق ترقيع»، والأولى أن يُرمى الدستور كله لأنه «خرقة بالية». ولا يرى فيه ما يستحق الإبقاء إلا شعارات مثل «وطن سيد حر مستقل»، والمطلوب برأيه آليات تجعلها حقيقة، وأبواب كاملة للتعليم والقضاء، وفهم جديد لفصل السلطات يشمل المنصات والبيانات والخوارزميات.

أين يلتقيان؟

على حدّة الخلاف، يتقاطع الرجلان في مطالب كثيرة:

  • المواطنة بدل المحاصصة: يريد د. عاكوم «الانتقال من المحاصصة إلى دولة المواطنة» عبر المادة 95، ويريد الأستاذ المحب «روحية المواطنة» بدل «المكوّنات».
  • استقلال القضاء: يطالب الأول بقانون يضمن استقلال السلطة القضائية، والثاني بفصل القضاء فصلًا تامًا مع استقلال مالي وإداري.
  • قانون الانتخاب: كلاهما يطلب قانونًا جديدًا، لكن د. عاكوم يريده «عادلًا يتوافق مع ميثاقيّة مقدمة الدستور»، والأستاذ المحب يريده بدائرة واحدة خارج القيد الطائفي، بعتبة منخفضة ودون صوت تفضيلي.
  • اللامركزية: يستند الأول إلى نص الطائف على اللامركزية الإدارية الموسعة، ويدعو الثاني إلى «تفريع السلطة»، لكنه يشترط قيام أحزاب وطنية أولًا حتى لا تمسك الميليشيات بالحكومات المحلية.
  • تشخيص العائق: كلاهما يسمّي الميليشيات بالاسم: «منظومة سياسية ميليشياوية» عند الأول، و«ميليشيات السلطة» عند الثاني.

السؤال الذي يفصل بينهما

الخلاف إذن ليس في الغايات بقدر ما هو في الطريق إليها: هل يمكن بلوغ هذه المطالب من داخل الدستور القائم؟ يجيب د. عاكوم بنعم، بالتطبيق واستكمال المؤسسات والقوانين التطبيقية. ويجيب الأستاذ المحب بلا، لأن روحية النص نفسها تشدّ إلى المكوّنات، فكل تطبيق أمين له يُنتج النتيجة نفسها.

وهذا بالضبط ما تحاول ورقة «الدستور اللبناني في الميزان» أن تختبره مادةً مادة: أين يكون النقص في النص نفسه، وأين يكون فيما حوله. ولم تحسم الورقة بعد بين الرأيين، ونرحّب بملاحظات القرّاء.


اكتشاف المزيد من عَشرة | منصّة عَشَرة للمحتوى الموزون

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

موضوعات ذات صلة