|

الدستور اللبناني في الميزان (2)

الدستور اللبناني في الميزان (2)

انتخاب رئيس الجمهورية: ماذا حدّد الدستور، وماذا ترك مفتوحًا؟

بقلم: أحمد خالد ستيتة


عرف لبنان في العقدين الأخيرين شغورًا طويلًا في رئاسة الجمهورية أكثر من مرة. وفي كل مرة يتكرر قول شائع: «الدستور لم يحدد مهلًا لانتخاب الرئيس».

لكن حين نعود إلى النص نفسه، نجد صورة أدقّ.

ماذا يقول الدستور فعلًا؟

المادة 73: موعد الاجتماع قبل نهاية الولاية

«قبل موعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية بمدة شهر على الأقل أو شهرين على الأكثر يلتئم المجلس بناء على دعوة من رئيسه لانتخاب الرئيس الجديد وإذا لم يدع المجلس لهذا الغرض فانه يجتمع حكما في اليوم العاشر الذي يسبق اجل انتهاء ولاية الرئيس.»

فالنص يحدد موعدًا للاجتماع، ويضع بديلًا تلقائيًا إن لم يدعُ رئيس المجلس: الاجتماع حكمًا في اليوم العاشر.

المادة 74: الاجتماع فورًا عند الشغور

«إذا خلت سدة الرئاسة بسبب وفاة الرئيس أو استقالته أو سبب آخر فلأجل انتخاب الخلف يجتمع المجلس فورا بحكم القانون…»

المادة 75: الشروع حالًا، ولا عمل آخر

«إن المجلس الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية يعتبر هيئة انتخابية لا هيئة اشتراعية ويترتب عليه الشروع حالا في انتخاب رئيس الدولة دون مناقشة أو أي عمل آخر.»

فالقول إنّ الدستور لم يحدد مهلًا غير دقيق. فقد حدّد مواعيد اجتماع المجلس، ووضع بديلًا تلقائيًا للدعوة، وأوجب الشروع في الانتخاب «حالًا».

ما الذي يتركه النص مفتوحًا؟

أولًا: سؤال تفسيري في النصاب

تنص المادة 49 على أن يُنتخب الرئيس:

«بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الأولى، ويكتفى بالغالبية المطلقة في دورات الاقتراع التي تلي».

وتنص المادة 34، وهي القاعدة العامة لجلسات المجلس، على أنه:

«لا يكون اجتماع المجلس قانونياً ما لم تحضره الأكثرية من الأعضاء الذين يؤلفونه».

وحين نقرأ النصين معًا، يحتمل النص قراءتين:

  • أن يكون نصاب الجلسة هو القاعدة العامة في المادة 34، والثلثان في المادة 49 شرطًا للفوز لا للحضور.
  • أو أن يستلزم انتخاب الرئيس حضور الثلثين، لأنّ الفوز في الدورة الأولى يحتاجهما.

وألفاظ النصين لا تحسم بين القراءتين. والفرق بينهما كبير: فعلى القراءة الثانية، يكفي غياب أكثر من ثلث النواب لتعطيل الجلسة.

أما من يتبنّى كل قراءة، وكيف حُسمت المسألة في الممارسة أو الاجتهاد، فذلك يحتاج إلى توثيق مستقل، نعود إليه في الورقة.

ثانيًا: سكوت النص عمّا بعد الشروع

المواد الثلاث تحدد مواعيد الاجتماع والشروع في الانتخاب، لكنها لا تحدد موعدًا لانتهاء العملية الانتخابية، ولا تقول ماذا يحدث إن انعقدت الجلسات وتعذّر الانتخاب.

ثلاث مسائل لا يجوز دمجها

وجود الموعد في النص

مواعيد الاجتماع والشروع منصوصة، أما موعد الإتمام وأثر التعذّر فغير منصوص عليهما. والنص وحده يكفي لإثبات ذلك.

تفسير النص

النصاب سؤال تفسيري مفتوح بين المادتين 34 و49. أما تحديد الجهات التي تتبنى كل قراءة، وما إذا كان المجلس الدستوري قد حسم المسألة، فيحتاج إلى أدلة مستقلة.

الالتزام في التطبيق

لا تجيب النصوص وحدها عن هذا السؤال: هل التأم المجلس فعلًا في المواعيد؟ وهل شرع في الانتخاب حالًا؟

وهنا نحتاج إلى أدلة من الواقع والممارسة.

ولكل مسألة علاج مختلف:

  • سكوت النص يحتاج إلى إضافة صريحة، بقانون إن أمكن، أو بتعديل.
  • السؤال التفسيري يحتاج إلى مرجعية تحسم القراءة.
  • التقصير في التطبيق، إن ثبت، يحتاج إلى محاسبة.

ومن يختصر هذا كله في جملة «الدستور لم يحدد مهلًا»، يخلط بين ثلاث مسائل، فيبحث عن العلاج في المكان الخطأ.

ماذا بعد؟

في المقال القادم نسأل: من يفسّر الدستور اللبناني؟ وما الفرق بين ما نصّت عليه وثيقة الطائف وما دخل فعلًا في نص الدستور؟

ونرحّب بكل ملاحظة أو اعتراض، فالميزان لا يستقيم بكفّة واحدة.


النصوص الدستورية منقولة عن النسخة الرسمية لمجلس النواب اللبناني.

مشروع الميزان الحضاري · جمعية عينا المدينة اللبنانية · منصة عشرة

ترخيص CC BY-SA 4.0


اكتشاف المزيد من عَشرة | منصّة عَشَرة للمحتوى الموزون

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

موضوعات ذات صلة