رد الدكتور سمير عاكوم على المسائل الدستورية التي يطرحها الأستاذ أحمد خالد ستيتة

في مئوية الدستور اللبناني، وضمن التحضير لورقة «الدستور اللبناني في الميزان»، طرحنا ثمانية أسئلة على الدكتور سمير حسن عاكوم، من «حماة الدستور». تناولت الأسئلة منهج الورقة، ومسائل نصية في الدستور، والموقف من التغيير أو التطبيق، واعتراضه على الورقة. وننشر أجوبته كما اعتمدها، دون تعديل.

أولًا: المنهج

1. ورقتنا تميّز بين أربعة مواضع محتملة للخلل: نص الدستور، والتشريع المنفّذ، والتفسير، والتطبيق. هل ترون هذا التمييز صحيحًا؟ وهل يمكن أن تضربوا مثالًا واحدًا لكل نوع من الدستور اللبناني؟

نعم هذا التمييز صحيح منهجيًا إذ ينبغي التفريق بين الخلل في النص الدستوري والقصور في التشريع المنفّذ والانحراف في التفسير ومخالفة الدستور في التطبيق، لكن معالجة الحالة اللبنانية تقتضي عدم الخلط بين هذه المستويات لأنها قد تتداخل من دون أن تتطابق. ويمكن توضيح ذلك بأمثلة لبنانية:

الخلل في النص الدستوري: يظهر في التوتر بين مبدأ المساواة وإلغاء الطائفية السياسية بوصفه هدفًا وطنيًا أساسيًا وبين استمرار بعض الترتيبات الطائفية الانتقالية في المادة 95 بما يجعل استكمال الانتقال إلى المواطنة غير الطائفية ضرورة دستورية مؤجلة.

الخلل في التشريع المنفّذ: يتمثل في عدم استكمال التشريعات والإجراءات اللازمة لتنفيذ أحكام دستورية أساسية ومنها استحداث مجلس الشيوخ بالتزامن مع انتخاب مجلس نيابي على أساس وطني غير طائفي وفق المادة 22 ووضع خطة مرحلية لإلغاء الطائفية السياسية وفق المادة 95.

الخلل في التفسير: يقع عندما تُفسَّر أحكام الدستور بما يوسّع الأعراف والمحاصصات على حساب مبادئه أو بما يحوّل التوازن الطائفي الانتقالي إلى غاية دائمة خلافًا لاتجاه المادة 95 نحو إلغاء الطائفية السياسية.

الخلل في التطبيق: يتجلى في تعطيل المؤسسات أو عدم تطبيق القوانين أو إخضاع القرار العام لمصالح القوى النافذة بدلًا من المصلحة الوطنية. ويبرز هنا تعارض الممارسة مع مبدأ خضوع القوات المسلحة لسلطة مجلس الوزراء ومع التزام اتفاق الطائف بحل الميليشيات وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها.

وخلاصة الموقف يمكن الاستئناس بقوله تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ للتعبير عن الفجوة بين الالتزام المعلن بالمبادئ والوفاء بمقتضياتها، فالمشكلة اللبنانية ليست في النصوص بل في منظومة سياسية ميليشياوية تُفرغها من مضمونها وتُقدّم مصالح قوى الأمر الواقع والمحاصصة على المواطنة وسيادة القانون ومصلحة الدولة.

ومن هنا فإن الإصلاح لا يتحقق بتعديل النصوص وحده بل باستكمال التشريعات وتصحيح التفسير وضمان التطبيق وإنهاء ازدواجية السلطة وصولًا إلى دولة دستورية قائمة على المواطنة والكفاءة والمساواة لا دولة امتيازات ومحاصصات.

ثانيًا: مسائل نصية محددة

2. إلغاء الطائفية السياسية: تنص الفقرة (ح) من المقدمة والمادة 95 على إلغائها “وفق خطة مرحلية”، وتربط المادة 22 مجلس الشيوخ بانتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي. لكنّ النصوص لا تحدد أجلًا لأي خطوة. فهل عدم التنفيذ منذ 1990 تقصير في التطبيق فقط، أم أنّ غياب الأجل في النص نفسه جزء من المشكلة؟

إن غياب الأجل الزمني الصريح لا يعفي السلطات من مسؤولية التنفيذ بل إن المشكلة تكمن في اجتماع قصور التنفيذ مع عدم استكمال البناء المؤسساتي الذي يفترض أن يقود إلى تحقيق الهدف الدستوري. وقد أشار الرئيس حسين الحسيني إلى فهمٍ مؤداه أن عدم تحديد أجل للتنفيذ لا يبرر تأجيله.

فالمادة 22 تربط إنشاء مجلس الشيوخ بانتخاب أول مجلس نيابي على أساس وطني غير طائفي فيما تحدد المادة 95 آليات الانتقال ومنها تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية ووضع خطة مرحلية ومتابعة تنفيذها، ومن ثم فإن تعطيل هذا المسار لعقود لا يمكن اختزاله في غياب المهلة الزمنية بل يستوجب مساءلة دستورية وسياسية عن عدم استكمال المؤسسات والتشريعات المطلوبة.

ويشمل ذلك استكمال قانون استقلالية السلطة القضائية وإصلاح الإدارة العامة على أساس الكفاءة وإعادة النظر في التقسيم الإداري بما يحقق الإنماء المتوازن ووضع التشريعات اللازمة لتعزيز انتظام المؤسسات وخضوعها للقانون، أما اللامركزية الإدارية فقد نص اتفاق الطائف صراحة على اعتمادها وربطها بتعزيز الوحدات الإدارية وتوسيع صلاحياتها ضمن إطار وحدة الدولة. وعليه فإن جوهر المشكلة هو الفجوة بين دستور أُقرّ عام 1990 لإعادة بناء الدولة ومسار سياسي لم يستكمل عددًا من إصلاحاته البنيوية، ويمكن تحليل مرحلة ما بعد الطائف في ضوء تأثير موازين القوى التي نشأت خلال الحرب وبالتحديد استمرار العمل بالإتفاق الثلاثي والنفوذ السوري الذي استمر بعد الاتفاق ومدى انعكاس ذلك على تنفيذ الإصلاحات.

في المختصر تحدد المادة 22 الأفق المؤسساتي لمجلس الشيوخ والمجلس النيابي غير الطائفي وترسم المادة 95 مسار إلغاء الطائفية السياسية ولا يجوز استخدام غياب المهلة الزمنية لتعليق هذا الاستحقاق الدستوري إلى أجل غير مسمى، والمطلوب هو الانتقال من المحاصصة إلى دولة المواطنة عبر استكمال الإصلاحات الدستورية والتشريعية والمؤسساتية ضمن خطة واضحة ومراحل قابلة للقياس والمساءلة.

3. انتخاب الرئيس: المواد 73 و74 و75 تحدد مواعيد التئام المجلس والشروع في الانتخاب. والخلاف المتكرر يدور حول نصاب الجلسة، بين المادة 34 والمادة 49. فهل هذا خلاف تفسيري؟ ومن الجهة التي ينبغي أن تحسمه؟

إن الخلاف حول نصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية هو خلاف تفسيري دستوري سببه عدم تحديد نصاب خاص وصريح في المواد 49 و73 و74 و75. فالمادة 34 تشترط حضور الأكثرية لانعقاد المجلس قانونًا بينما تحدد المادة 49 أكثرية الثلثين للانتخاب في الدورة الأولى والأكثرية المطلقة في الدورات التالية، ومن هنا نشأ الخلاف حول ما إذا كان نصاب الانعقاد هو الأكثرية المطلقة أم الثلثين.

لكن معالجة هذا الخلاف لا ينبغي أن تبقى رهينة الأعراف المتنازَع عليها أو المصالح السياسية، بل تستوجب وضع قواعد إجرائية واضحة تحترم الدستور ومقدمة الدستور ولا سيما مبادئ الوفاق الوطني والميثاقية (مقدمة الدستور) وتضمن في الوقت نفسه انتظام المؤسسات وعدم تحويل التعطيل إلى وسيلة لاحتكار القرار.

أما الجهة التي تحسم الخلاف فالمسألة أكثر تعقيدًا من إسنادها إلى جهة واحدة، إذ لا توجد جهة تملك صلاحية عامة غير منازَع فيها لتفسير الدستور تفسيرًا ملزمًا في كل مسألة، فالمجلس الدستوري يختص بالرقابة على دستورية القوانين والبت في الطعون الانتخابية ضمن الصلاحيات المحددة له لكن ذلك لا يجعله مرجعًا عامًا للفصل المسبق في كل خلاف حول نصاب جلسات انتخاب الرئيس. ومن منظور إدارة الأنظمة تكمن المشكلة الأعمق في الفرق بين منطق دولة المؤسسات الذي يفعّل السلطات ويضمن تكاملها ويقدّم المصلحة العامة ومنطق المحاصصة الميليشياوية الذي قد يوظّف الغموض الإجرائي والتعطيل لتعزيز النفوذ السياسي والمالي والإحتكار السياسي. لذلك فإن المعالجة المستدامة تقتضي تنظيم الإجراءات الانتخابية بقواعد دستورية واضحة عبر الآليات الدستورية المختصة بما يصون التوازن الميثاقي من دون أن يحوّله إلى أداة لتعطيل الدولة ويضمن انتخاب الرئيس وانتظام المؤسسات وفق الدستور ومصلحة المواطنين.

4. تفسير الدستور: نصت وثيقة الطائف على مجلس دستوري “لتفسير الدستور”، ولم تتضمن المادة 19 هذه الصلاحية، مع أنّ المجلس الدستوري يفسّر الدستور في معرض رقابته على القوانين. فهل يكفي هذا، أم يلزم نص صريح؟

إن تفسير الدستور ليس مجرد مسألة قانونية تقنية بل هو جزء من منظومة متكاملة تقوم على الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها واستقلال القضاء واكتمال البناء المؤسساتي للدولة. لقد نصّت وثيقة الوفاق الوطني في الطائف صراحةً على إنشاء مجلس دستوري يتولى تفسير الدستور ومراقبة دستورية القوانين لكن المادة 19 من الدستور بصيغتها النافذة حصرت صلاحيات المجلس في مراقبة دستورية القوانين والبت في النزاعات والطعون الانتخابية من دون النص صراحةً على اختصاص عام بتفسير الدستور.

ومن هنا فإن تفسير المجلس الدستوري للنصوص في معرض رقابته على دستورية القوانين لا يعادل منحه صلاحية عامة ومستقلة لتفسير الدستور، فالأولى لازمة لممارسة اختصاصه الرقابي أما الثانية فتحتاج إلى سند دستوري صريح يحدد نطاقها وآليات تفعيلها والجهات التي يحق لها طلب التفسير. وهذا ما يجعل استكمال النص الدستوري والتشريعات الناظمة لاختصاص المجلس مسألة جدية تستحق المعالجة.

ولا ينفصل ذلك عن المادة 20 التي تكرّس استقلال القضاة وعن مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها الوارد في مقدمة الدستور. كما أن إصلاح القضاء وتعزيز استقلاليته عن التدخلات السياسية يشكّلان شرطًا أساسيًا لقيام دولة القانون وإن كان استقلال القضاء وحده لا يحسم مسألة اختصاص المجلس الدستوري ما لم يُعالج النقص في السند الدستوري.

وعليه فإن المطلوب هو استكمال البناء المؤسساتي الذي أقرّه الطائف وتحديد صلاحية تفسير الدستور بنص واضح وضمان استقلال المؤسسات عن المحاصصة السياسية بحيث يُفسَّر الدستور وفق أحكامه ومقدمته ومبادئ العيش المشترك والمساواة وسيادة القانون لا وفق مصالح القوى السياسية المتنازعة. فالدولة الدستورية تقوم على وضوح الاختصاصات وتكامل السلطات والمساءلة لا على إبقاء الثغرات المؤسسية مصدرًا دائمًا للنزاع والتعطيل.

5. مقدمة الدستور: تكتبون أنّ المقدمة مرجعية عليا. فكيف تُطبَّق مبادئها التي لا تحدد جهة ولا آلية، مثل الفقرة ز عن الإنماء المتوازن؟

مقدمة الدستور ليست مجرد إعلان للمبادئ بل تشكّل جزءًا من المرجعية الدستورية الملزمة وتحدد القيم والغايات التي ينبغي أن تُقرأ مواد الدستور وتُطبَّق في ضوئها وفي مقدمتها العيش المشترك والمساواة والإنماء المتوازن وسيادة القانون. لكن تطبيق هذه المبادئ لا يتحقق بمجرد الاستناد إليها بل يتطلب تحويلها إلى تشريعات ومؤسسات وآليات تنفيذ ومساءلة، فالفقرة ز من مقدمة الدستور تنص على الإنماء المتوازن للمناطق ثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا فيما تفصّل وثيقة الطائف آليات مؤسساتية وإدارية تساعد على تحقيقه وفي مقدمتها اللامركزية الإدارية الموسعة وإعادة النظر في التقسيم الإداري (تكلمت في دراسة لي عن 12 محافظة) بما يعزز التوازن والقدرة على إدارة الشؤون المحلية إلى جانب إصلاح الإدارة العامة وتعزيز دور البلديات.

وعليه فإن تحقيق الإنماء المتوازن يقتضي استكمال البناء المؤسساتي بما يشمل تطوير اللامركزية الإدارية وتنظيم مجالس منتخبة لإدارة الأقضية وفق الصيغة القانونية المعتمدة ومعالجة خصوصية بلدية بيروت وتوزيع الصلاحيات والموارد بصورة عادلة وربط الإنفاق العام بحاجات المناطق ومؤشرات قابلة للقياس.

فالخلل لا يكمن في غياب المبدأ الدستوري بل في عدم استكمال تحويله إلى منظومة متكاملة من القواعد والمؤسسات والسياسات العامة، ومن هنا فإن الانتقال إلى دولة المؤسسات يستوجب تحديد المسؤوليات ووضع مؤشرات لقياس الإنماء المتوازن وإخضاع التنفيذ للمساءلة بحيث تصبح المساواة بين المواطنين والمناطق ممارسة مؤسساتية فعلية لا مجرد التزام دستوري معلن.

ثالثًا: التغيير أو التطبيق

6. ما أقوى حجة لديكم ضد الدعوة إلى دستور جديد؟ وهل توجد شروط تقبلون فيها تعديلًا دستوريًا؟ وما هي؟

إن أقوى حجة ضد الدعوة إلى دستور جديد هي أن المشكلة اللبنانية الأساسية تكمن في عدم استكمال تطبيق دستور الطائف وتنفيذ إصلاحاته وبناء المؤسسات اللازمة لتحقيق أهدافه لا في غياب إطار دستوري بديل. فاستبدال الدستور قبل معالجة أسباب تعطيله قد ينقل الأزمة من مستوى التطبيق والمؤسسات إلى مستوى النصوص نفسها من دون ضمان معالجة الخلل السياسي الذي أنتجها. وتكمن الإشكالية في الاتفاقات والتسويات السياسية التي عززت تقاسم السلطة على حساب استكمال المؤسسات الدستورية (اتفاق الدوحة عام 2008 واتفاق مار مخايل…)

أما تعديل الدستور فلا ينبغي استبعاده مبدئيًا لكنه يجب أن يكون مسارًا مؤسساتيًا مدروسًا لا بديلًا من تنفيذ الدستور القائم. ويمكن قبول تعديلات محددة عندما تثبت الحاجة إليها وبعد تقييم آثارها على التوازن بين السلطات والمواطنة والحقوق والحريات واستقلال القضاء ووحدة الدولة والعيش المشترك مع الالتزام بالأصول الدستورية المنصوص عليها في المواد 76 إلى 79 وتشمل الشروط الأساسية لأي تعديل:

  • إثبات وجود خلل لا يمكن معالجته بالتشريع أو التطبيق أو استكمال المؤسسات
  • إجراء تقييم علمي لأثر التعديل على النظام الدستوري وتوازن السلطات
  • ضمان مشاركة وطنية واسعة بعيدًا عن الإكراه وفرض موازين القوى
  • عدم المساس بالحقوق الأساسية أو استخدام التعديل لتكريس امتيازات فئوية أو احتكار السلطة
  • ربط أي تعديل بخطة إصلاح مؤسساتي قابلة للتنفيذ والمساءلة

الدعوة إلى دستور جديد قبل استنفاد إمكانات تطبيق الطائف واستكمال إصلاحاته هو قفز فوق المشكلة الأساسية أو «مراهقة دستورية/سياسيّة» من قبل من يطلقها ومن يتبناها ضمن سياق الظروف الراهنة، إذا تجاهلت الفارق بين النص الدستوري والتشريع التطبيقي والبناء المؤسساتي. أما البديل فهو تنفيذ الدستور وإزالة العوائق أمامه وإصلاح المؤسسات ثم بحث أي تعديل تفرضه الحاجة الوطنية المثبتة وفق الأصول الدستورية وبما يخدم قيام دولة المواطنة والقانون.

7. آلية التعديل: تشترط المواد 76 إلى 79 ثلثي أعضاء المجلس، ولا تنص على استفتاء ولا على جمعية تأسيسية. فهل ترونها كافية؟

إن كفاية آلية تعديل الدستور لا تُقاس فقط بنسبة التصويت المطلوبة بل بمدى توافر الضمانات المؤسسية التي تمنع احتكار قرار التعديل وتضمن صدوره عن إرادة وطنية مسؤولة. فالمواد 76 إلى 79 من الدستور اللبناني تحدد آليات اقتراح التعديل وإقراره ولا تشترط استفتاءً شعبيًا أو جمعية تأسيسية. لذلك فإن تعديل الدستور يجب أن يتم وفق الأصول المنصوص عليها ولا يجوز افتراض وجود آلية بديلة غير مقررة دستوريًا.

لكن الإشكالية اللبنانية الأعمق ترتبط بضرورة استكمال البناء المؤسساتي الذي نص عليه اتفاق الطائف وتعزيز الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها وإقرار قانون يضمن استقلال السلطة القضائية واستكمال التشريعات التنفيذية اللازمة لانتظام عمل المؤسسات. وفي هذا الإطار فإن إنشاء مجلس الشيوخ وفق المادة 22 بالتزامن مع انتخاب مجلس نيابي على أساس وطني غير طائفي من شأنه أن يتيح إطارًا مؤسساتيًا لتمثيل الطوائف في القضايا المصيرية التي يحددها الدستور مع ضرورة التمييز بين دور مجلس الشيوخ المقترح وبين صلاحية تعديل الدستور التي تخضع للأصول المحددة في المواد 76 إلى 79.

وعليه فإن الأولوية ليست استحداث آلية استثنائية لتعديل الدستور بل استكمال المؤسسات الدستورية وتعزيز استقلالها وفعاليتها بما يجعل أي تعديل محتمل خاضعًا لقواعد واضحة وضمانات وطنية لا لموازين القوى أو التسويات السياسية الظرفية.

رابعًا: اعتراضكم على الورقة

8. ما أقوى اعتراض لديكم على منهج ورقة كهذه؟ وما الذي ترون أنها تغفله؟

أقوى اعتراض على منهج هذه الورقة إذا اقتصرت على مناقشة النصوص الدستورية وإشكاليات تفسيرها وتعديلها هو أنها قد تُغفل الفارق بين وجود دستور سليم في كثير من مبادئه وبين تعطيل أحكامه أو عدم استكمال المؤسسات والتشريعات اللازمة لتنفيذه. فالمطلوب اليوم هو المضي قدمًا في تطبيق الدستور ووثيقة الوفاق الوطني تطبيقًا متكاملًا من دون انتقاص أو تشويه وتحويلهما إلى برنامج إنقاذ وطني قابل للتنفيذ والقياس والمساءلة. ويقتضي ذلك معالجة آثار التسويات السياسية التي أعاقت وفق هذا المنظور استكمال الإصلاحات الدستورية (الاتفاق الثلاثي واتفاق مار مخايل واتفاق الدوحة) بدل التعامل معها كبدائل من المرجعية الدستورية.

وما قد تغفله الورقة أيضًا هو أن الإصلاح لا يكتمل بتصحيح النصوص وحدها بل يتطلب استكمال البناء المؤسساتي وتحقيق الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها وضمان استقلال القضاء وإقرار اللامركزية الإدارية واستكمال تنظيم السلطتين التشريعية والتنفيذية، اقرار قانون انتخاب عادل يتوافق مع ميثاقيّة مقدمة الدستور، واستكمال ورشة عمل القوانين التطبيقية للإطار الدستوري (تنظيم القوى العسكرية والأمنية، الإدارة العامة، اللامركزية الإدارية… عدد الرئيس الحسيني 14 قانون تطبيقي في خطاب استقالته عام 2008) وتفعيل الرقابة والمساءلة وإنهاء أي ازدواجية في سلطة القرار العام.

وعليه فإن السؤال المركزي ليس هل نحتاج إلى دستور جديد؟ بل كيف نُفعّل الدستور القائم ونستكمل مؤسساته ونضمن خضوع الجميع لأحكامه؟ فمعيار نجاح أي ورقة إصلاحية هو قدرتها على الانتقال من تشخيص الخلل إلى برنامج تنفيذي واضح يحدد الإصلاح المطلوب، والجهة المسؤولة والمهلة الزمنية ومؤشرات الإنجاز وآليات المساءلة وصولًا إلى دولة دستورية تقوم على المواطنة وسيادة القانون والمصلحة العامة لا على المحاصصة وتغليب المصالح السياسية الفئوية.

اقرأ أيضًا: رد الأستاذ وليد المحب على المسائل نفسها، والدستور اللبناني في مئويته: يُطبَّق أم يُستبدَل؟ رأيان متقابلان.


اكتشاف المزيد من عَشرة | منصّة عَشَرة للمحتوى الموزون

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

موضوعات ذات صلة