رد الأستاذ وليد المحب على المسائل الدستورية التي يطرحها الأستاذ أحمد خالد ستيتة
في مئوية الدستور اللبناني، وضمن التحضير لورقة «الدستور اللبناني في الميزان»، طرحنا أسئلة المقابلة نفسها على الأستاذ وليد المحب، من هيئة إعداد الدستور. ويرى أن الخلل في «روحية» الدستور نفسها، لا في تطبيقه ولا في تفسيره، ولذلك يدعو إلى دستور جديد لا إلى تعديل القائم. وصلت أجوبته مكتوبة وبتسجيل صوتي، فحُرّرت تحريرًا لغويًا خفيفًا دون إضافة فكرة أو حذف حجة، وننشرها بعد موافقته على النص.
أولًا: المنهج — المواضع الأربعة للخلل
أظن أن تقسيم الخلل المحتمل إلى أربعة مواضع يحتاج إلى إعادة نظر، فلا أرى فرقاً واضحاً بين التشريع المنفّذ والتطبيق، وسأعدّهما أمراً واحداً.
إذا بدأنا بالنص، فهو يعبّر عن روحية الدستور، والخلل في الروحية. فالدستور ينبغي أن يسهم في جعل الشعب أمة، أما نص دستورنا فيفرّقنا ويجعلنا مكوّنات، وروحيته تعبّر عن هذه السيئة.
ولذلك ليست المشكلة في التطبيق، لأن في النص روحية سيئة. فإذا طبّقوه تطبيقاً صحيحاً، فهم يطبّقون الخطأ، والمسار كله خطأ. والمشكلة حين تكون في النص فهي بنيوية لا وظيفية.
أما «التفسير»، فهو ممزوج بالغموض والنقصان والشطط، ويأخذ هو أيضاً شكلاً وظيفياً. فحين نقول إن المشكلة في روحية النص، لا يبقى لزوم للحديث عن التطبيق والتفسير. فما بُني على باطل فهو باطل، وروح الدستور اللبناني باطلة.
مثال التعليم: في دساتير العالم، التعليم باب كامل بكل مراحله، يحمل رؤية وطنية، وهو «حق»، وتُربط مخرجاته بسوق العمل. أما في دستور لبنان فهو مجرد «مادة»، لا باب، ولا يعدّه الدستور حقاً، بل ممارسة تكفلها الدولة. ولا رؤية وطنية فيه، بل رؤية تشتيتية. فالتعليم في الدستور اللبناني «مقزّم»، وكان يجب أن يكون «موسّعاً» إلى باب، وأن يكون «حقاً» لا «ممارسة».
مثال القضاء: القضاء ليس إلا المادة 20 من الدستور اللبناني، ثم جاؤوا بتعديلات منسوخة من أماكن أخرى، ليس فيها روحية سليمة، بل ترقيع. وكان المطلوب أن ينصهر العقل الاجتماعي في بوتقة واحدة، فيتمخض عنها دستور سليم الروح، متكامل النص ومتماسكه. فما فعله واضعو الدستور أنهم رقّعوا مواد إضافية عن القضاء، ليتحدثوا عن مجلس لمحاكمة الرؤساء. والخلل في تشكيل هذا المجلس أن نواباً، أي أعضاءً في السلطة التشريعية، أعضاءٌ فيه. فكيف تكون سلطة تشريعية داخل سلطة قضائية؟ هذا تحاصص، وانسَ السياسة الرشيدة حين تكون عندنا روحية التحاصص.
والأخطر أن السؤال ليس: ما المكتوب في الدستور؟ بل: ما الذي ليس مكتوباً فيه؟ فالحقوق الاقتصادية مثلاً غير موجودة، ولا حق المنافسة، ولا حق حماية المستهلك.
ثانيًا: الدعوة إلى دستور جديد بدل التطبيق أو التعديل
أسأل: ماذا في الدستور القديم؟ وما الذي يمكن أن نطبّقه منه؟ وما الزبدة التي نأخذها منه؟ هل نأخذ منه «لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك»؟ أي إذا صار عدد المسيحيين في لبنان ألف شخص، وبلغ عدد المسلمين أربعة ملايين، فهل يأخذ الألف نصف الدولة، ويأخذ الأربعة ملايين نصفها الآخر، «حفاظاً على العيش المشترك»؟
إن التفكير بثنائية «مسلم ومسيحي» أصلاً تفكير مكوّنات. ونحن اللبنانيين نحتاج أن نفكّر لبنانياً، ونذهب ونجيء لبنانياً، لنعيش روحية لبنانية. فروحية الدستور المبنية على «المكوّنات» نسفت روحية «المواطنة» التي كان يجب، وما زال يجب، أن يُبنى عليها، فصارت روحية اللبنانيين طائفية.
وكلمة «تعديل الدستور»، مع أن روحيته سيئة، تعني ترقيعاً فوق ترقيع. فالأولى أن نرميه كله، لأنه «خرقة بالية». ومن يدرس علم الدسترة يعرف ما الدستور، وما وظيفته، وما المبادئ والمفاهيم التي إذا وُضعت فيه نهض البلد، وما المخاطر التي إذا وُجدت فيه تدهور البلد. واللبنانيون في دستورهم كل أسباب تدهور البلد، وليس فيه أي مبدأ أو مفهوم يصلح لنهوض المجتمع. فماذا تريدون أن تعدّلوا؟ لا، لا لتعديل الدستور أبداً.
هل في الدستور الحالي ما ترى وجوب الإبقاء عليه؟ لا يوجد فيه إلا الشعارات، مثل «وطن سيد حر مستقل»، وهي من البديهيات. والمطلوب تحديد الآليات، ليكون الوطن سيداً حراً مستقلاً حقاً، لا شعاراً. أعطني آليات الحوكمة الرشيدة والمواطنة، أعطني باباً للتعليم في الدستور اللبناني، أعطني باباً للقضاء، وافصل القضاء فصلاً تاماً عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، مع استقلال مالي وإداري. وإلا فكله كلام فارغ. وأين ذلك كله في الدستور اللبناني؟ لا يوجد.
وأضف إلى ذلك أن مبدأ فصل السلطات يتغنّى به العالم العربي كله ولا يطبّقه. واللبنانيون اليوم ليسوا بحاجة إلى فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية فقط. فقد بلغنا العصر الرقمي والحقوق الرقمية، والمطلوب أيضاً فصل من يتحكم بالمنصات، ومن يتحكم بالبيانات، ومن يتحكم بالخوارزميات. فهذه إذا اجتمعت في يد واحدة شكّلت خطراً أكبر بكثير من السلطات التقليدية. فيجب أن نفهم مبدأ فصل السلطات على ضوء التطور الرقمي.
ثالثًا: ما الذي تغفله الورقة؟
تغفل شرح اللامركزية الإدارية بصيغة «تفريع السلطة»، وكان يجب أن يتضح هذا للناس. فكثير من الأساتذة الجامعيين يظنون أن الديمقراطية انتخابات وبرلمان ونواب، وهذه كلها «ديمقراطية تمثيلية» ثبت نفاقها عالمياً. وصارت هناك «ديمقراطية تشاركية مباشرة» من خلال مبدأ تفريع السلطة، فتصير البلديات حكومات محلية، بعد أن تولد أحزاب وطنية.
فالميليشيات القائمة اليوم في لبنان ستفرح إذا قلنا إننا نريد أن ينص الدستور على إعطاء البلديات صلاحيات محلية، لأنها ستمسك حينئذ بهذه الحكومات المحلية. ولذلك نطالب أولاً بأحزاب وطنية، وبقانون انتخاب سليم تولد من رحمه هذه الأحزاب.
فما دام عندنا قانون انتخاب ينص على القيد الطائفي، والصوت التفضيلي، وتعدد الدوائر، وارتفاع العتبة الانتخابية، فكل هذه التفاصيل تستنسخ ميليشيات السلطة. أما إذا كان عندنا قانون انتخاب يُجلّ الإنسان لا الطوائف، لبنان فيه دائرة واحدة، خارج القيد الطائفي، بعتبة انتخابية منخفضة، ودون صوت تفضيلي، فحينئذ تولد الأحزاب الوطنية، ولا تبقى لأحد في السلطة مصلحة إلا أن يعمل وطنياً. وهنا نكون قد طبّقنا «نظرية الوكزة»، ليصير نَفَس كل من يعمل في الشأن العام وطنياً لا طائفياً.
ملحق: من جوابه الصوتي على أسئلة المتابعة
ملخص لتسجيل صوتي مدته نحو خمس دقائق (26 تشرين الأول 2026)، اطّلع عليه الأستاذ وليد ووافق عليه. وهو ملخص لا نقل حرفي.
- عن المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء: اعتراضه خلط السلطات، فإذا كان النواب أعضاء في هيئة قضائية، فهم يشرّعون ويقرّرون ويحاسبون. والمبدأ فصل السلطات وتعاونها، وهذا ليس تعاوناً. ولا آليات عملية للمجلس، فلم يُحاسَب أمامه رئيس ولا وزير. والقضاء العادي بلا استقلال مالي وإداري.
- عن المواد القوية النص (كالنفاذ الحكمي للقوانين والمهل المحددة): لا تنقذ النص، فهي «السمّ في العسل». ووظيفة الدستور عنده نشر الروح في المجتمع، وتهذيب سلوك الحكّام والمحكومين، وتحويل الشعب إلى أمة واحدة بقيم جامعة يعرفها اللبنانيون: العونة في البناء، والمؤاخاة بين العائلات بالرضاعة، والتراث العمراني والأدبي والشفهي. ويُترك اختلاف أنماط العيش لتشريعات محلية وفق مبدأ تفريع السلطة.
اقرأ أيضًا: رد الدكتور سمير عاكوم على المسائل نفسها، والدستور اللبناني في مئويته: يُطبَّق أم يُستبدَل؟ رأيان متقابلان.
اكتشاف المزيد من عَشرة | منصّة عَشَرة للمحتوى الموزون
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
