مأساة السويقة الجسرين: رصاصة الغضب تفضح قانون الرفق بالحيوان الغائب في طرابلس

مأساة السويقة الجسرين: رصاصة الغضب تفضح قانون الرفق بالحيوان الغائب في طرابلس

شهدت منطقة السويقة الجسرين بمدينة طرابلس اللبنانية حادثة مروعة، كشفت عن الأزمة المركبة والخطيرة للكلاب الشاردة في الشمال اللبناني. فبعد العثور على كلبة ملقاة على الأرض مصابة بعدة طلقات نارية، في حالة إيذاء متعمد تتطلب تدخلاً عاجلاً، سرعان ما تبين أن الجريمة هي نتيجة رد فعل غاضب، لتتحول القصة من عمل وحشي فردي إلى مؤشر خطير على الفشل الجماعي.

الناشطة في مجال الرفق بالحيوان، الأخت نيفين الأبيض، كشفت أن مطلق النار هو والد طفلة تعرضت لهجوم من الكلبة الشاردة نفسها أثناء توجهها إلى المدرسة صباحاً. هذا المعطى الجديد يضع الحادثة في سياق الصراع الأبدي بين غريزة الأبوة الحامية ومسؤولية تطبيق القانون، ويكشف أن كلاً من الإنسان والحيوان أصبحا ضحية للإهمال المؤسسي في المدينة.

 

بين الرصاص والقانون: تبرير لا يُسقط الجريمة

 

إن اختيار الأب اللجوء إلى إطلاق النار كوسيلة لـ “إنهاء” الخطر، وإن كان مدفوعاً بخوف مشروع على سلامة ابنته، يمثل تصرفاً فردياً خطيراً يضرب بعرض الحائط بمبدأ حكم القانون. إطلاق النار على حيوان شارد بهذه الطريقة هو جريمة مكتملة الأركان وفق القانون اللبناني.

يملك لبنان قانون حماية الحيوانات والرفق بها (الصادر عام 2017)، والذي يُجرم صراحة الإيذاء والتعذيب المتعمد للحيوانات، وينص على عقوبات تصل إلى الغرامات المالية الكبيرة وحتى الحبس. ومع ذلك، تشير حوادث طرابلس المتكررة إلى أن هذا القانون يبقى “حبراً على ورق” في الشوارع. المواطن الذي يشعر بالخطر على أسرته، لا يجد أمامه قناة رسمية فعالة وسريعة للإبلاغ، فيلجأ إلى العنف الشخصي كحل وحيد.

 

جذور المأساة: الكلاب الشاردة قنبلة موقوتة

 

حادثة السويقة الجسرين هي نتاج مباشر لتراكم سنوات من الإهمال الحكومي والمحلي في إدارة ملف الكلاب الشاردة. المشكلة لها ثلاثة أبعاد متداخلة:

  1. الفشل البلدي: تتحمل بلدية طرابلس، كغيرها من البلديات، المسؤولية الأكبر عن انتشار الكلاب الشاردة بشكل يهدد السلامة العامة. الحل الإنساني والفعال الوحيد عالمياً هو تطبيق برامج الـ TVNR (القبض، التلقيح، التعقيم، الإعادة). لكن الأزمة الاقتصادية واللوجستية تجعل البلديات تتراخى في تطبيق هذه البرامج، مما يزيد من تكاثر الكلاب ويغذي ظاهرة الخطر، ويدفع الأهالي الغاضبين إلى اللجوء إلى الإبادة الوحشية كـ “حل”.
  2. انهيار الأمان: يمثل هجوم الكلاب الشاردة على طفلة ذاهبة إلى المدرسة مؤشراً على انعدام الأمان في الشارع، وهو ما يولد غضباً اجتماعياً يبرر العنف ضد الحيوان. الكلبة نفسها، التي تعاني من الجوع والمرض، هي ضحية لهذا الإهمال قبل أن تكون مصدر خطر.
  3. تخطي القانون: عندما يغيب الردع القانوني الفعلي، يصبح العنف هو لغة التعبير السائدة. حادثة الكلبة المصابة بالرصاص، مثلها مثل حوادث التسميم المتكررة، تكشف عن ضعف الأجهزة الأمنية والقضائية في التعامل بجدية مع مخالفات قانون الرفق بالحيوان وتطبيق العقوبات الرادعة.

 

نداء للإنقاذ وتصحيح المسار

 

إن إنقاذ الكلبة المصابة في السويقة الجسرين هو الأولوية الإنسانية الآن، ويتطلب تدخلاً عاجلاً من جمعيات الرفق بالحيوان والأطباء البيطريين.

لكن الحل الجذري يتطلب تحركاً على ثلاثة مستويات:

  1. المساءلة المزدوجة: يجب على الأجهزة القضائية أن تحقق في حادثة إطلاق النار ومحاسبة الأب بموجب القانون، مع الأخذ بعين الاعتبار دوافعه، لإرساء مبدأ أن القانون هو الفيصل وليس رد الفعل العنيف.
  2. خطة طوارئ فورية: على بلدية طرابلس أن تطلق خطة طوارئ بالتعاون مع الجمعيات المدنية لتنفيذ حملات تعقيم وتلقيح شاملة للكلاب في المناطق الأكثر كثافة، وتوفير رقم ساخن للإبلاغ عن الحالات الخطرة وسحب الكلاب المشتبه في إصابتها بالسعار.
  3. ثقافة الوعي: يجب العمل على توعية الأهالي بأن إطلاق النار والقتل ليس حلاً، بل يزيد من خطر انتشار الأوبئة (كالسعار) ويؤدي إلى حلقة مفرغة من العنف.

في النهاية، الكلبة المصابة هي ضحية إهمال الدولة، والأب الغاضب هو ضحية انعدام الحلول البديلة، والطفلة هي ضحية انعدام الأمان. مأساة السويقة الجسرين تذكرنا بأننا لا نستطيع بناء مجتمع آمن وإنساني طالما بقي مصير الحياة البريئة، سواء كانت إنسانية أو حيوانية، رهناً لردود الأفعال العنيفة وقانون مشرذم لا يجد طريقه إلى التطبيق.