الدستور اللبناني في الميزان من يفسّر الدستور؟
الدستور اللبناني في الميزان
المقال الثالث
من يفسّر الدستور؟
انتهينا في المقال الثاني إلى أن نصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية سؤال تفسيري مفتوح: هل يكفي حضور الأكثرية المطلقة التي تشترطها المادة 34 لانعقاد الجلسات؟ أم يلزم حضور الثلثين، قياساً على أكثرية الثلثين التي تشترطها المادة 49 للانتخاب في الدورة الأولى؟
والسؤال التالي أبسط في ظاهره، وأعمق في حقيقته:
إذا اختلف اللبنانيون في معنى نص دستوري… فمن يحسم؟
أولاً: ماذا كتب الطائف؟
نصّت وثيقة الوفاق الوطني عام 1989 على ما يلي:
«ينشأ مجلس دستوري لتفسير الدستور ومراقبة دستورية القوانين والبت في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية.»
وأعطت حق مراجعته «في ما يتعلق بتفسير الدستور ومراقبة دستورية القوانين» لرئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء، و«نسبة معينة من أعضاء مجلس النواب».
كما أعطت رؤساء الطوائف، «تأميناً لمبدأ الانسجام بين الدين والدولة»، حق مراجعته في ثلاثة أمور: الأحوال الشخصية، وحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، وحرية التعليم الديني.
إذن، أرادت وثيقة الوفاق الوطني أن يتولى المجلس الدستوري تفسير الدستور، إلى جانب رقابة دستورية القوانين والبت في الطعون الانتخابية.
ثانياً: ماذا كتب الدستور؟
حين عُدّل الدستور عام 1990، أنشأت المادة 19 المجلس الدستوري «لمراقبة دستورية القوانين والبت في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية».
لكن عبارة «تفسير الدستور» لم تنتقل إلى النص.
وهذا من النوع الذي نسمّيه في هذه الورقة: «نُقل معدّلاً». فالمبدأ انتقل من الوثيقة إلى الدستور، لكن بعض مضمونه لم ينتقل معه.
ثالثاً: كيف تصرّف المجلس الدستوري؟
لم يقف المجلس عند هذا الحذف. ففي القرار رقم 4/2001، رأى أنه يعود إليه أن «يفسر الدستور في معرض أعمال رقابته على دستورية نص تشريعي ما»، وأنه حين يفعل ذلك «يعطي النص الدستوري معناه الملزم».
وبعد اثنتين وعشرين سنة، كرّر المعنى نفسه في القرار رقم 6/2023:
«يقع ضمن نطاق صلاحية المجلس الدستوري أن يفسّر الدستور في معرض رقابته على دستورية القوانين، ويعتبر ذلك في صميم مهامه كقاضٍ دستوري، وفي هذا التفسير يعطي النص الدستوري معناه الملزم.»
وفي القرار نفسه، فسّر المادة 75 التي توقفنا عندها في المقال الثاني. فرأى أن غايتها إعطاء الأولوية لانتخاب الرئيس في الجلسة المخصصة للانتخاب، وأنها لا تمنع المجلس النيابي من التشريع في جلسات أخرى خلال الشغور الرئاسي.
ولم يقف القرار عند هذا الحد. فقد رأى أن الدستور لم يمنح مجلس النواب صلاحية تفسيره بنص صريح، وأن تصريحات النواب ومواقف الكتل النيابية، ولو صدرت في الهيئة العامة، «لا ترقى إلى مرتبة التفسير الملزم للدستور».
وأضاف أنه «ينبغي اتباع أصول تعديل الدستور في معرض التفسير»، «عملاً بمبدأ موازاة الصيغ».
أي أن القرار ميّز بين نوعين من التفسير: تفسير يُراد له أن يُلزم السلطات كافة خارج القضاء الدستوري، وهذا يستوجب مراعاة أصول تعديل الدستور. وتفسير يمارسه المجلس الدستوري في معرض رقابته، وهذا يدخل في صميم اختصاصه.
رابعاً: أين يقف هذا التفسير؟
مارس المجلس تفسير النص الدستوري بوصفه جزءاً لازماً من مهمته في الرقابة على دستورية القوانين. لكنه لم يقرّر لنفسه صلاحية مستقلة لتلقي طلبات تفسير مجرّدة.
وفي الحالة التي نناقشها هنا، أي التفسير في معرض الرقابة على دستورية القوانين، يمارس المجلس هذه الصلاحية حين يُعرض عليه طعن مستوفٍ للشروط، مقدّم من إحدى الجهات المخوّلة، وضمن المهلة المحددة.
ولا يوجد في النص الحالي إجراء يتيح طلب تفسير مجرّد لا يقترن بقانون مطعون فيه.
ولهذا يبقى سؤال المقال الثاني بلا جواب. فنصاب جلسة انتخاب الرئيس ليس قانوناً يُطعن فيه، وإنما خلاف يقع في القاعة نفسها. ولا توجد آلية دستورية صريحة تتيح إحالة هذا الخلاف، بصورة مسبقة ومجرّدة، إلى المجلس الدستوري لحسمه.
ويرى الدكتور سمير عاكوم أن تفسير المجلس للنصوص في معرض رقابته «لازمة لممارسة اختصاصه الرقابي»، لكنها لا تعادل صلاحية عامة مستقلة لتفسير الدستور. فهذه الصلاحية تحتاج، في رأيه، إلى «سند دستوري صريح» يحدد نطاقها وآليات تفعيلها والجهات التي يحق لها طلب التفسير.
خامساً: فأين الخلل؟
إذا عدنا إلى الأسئلة الأربعة التي بدأنا بها هذه السلسلة:
النص: الدستور لم ينقل ما نصّ عليه الطائف في شأن التفسير.
التشريع: المشكلة ليست في قانون لم يصدر، وإنما في صلاحية لم يتضمنها الدستور نفسه.
التفسير: المجلس الدستوري يمارس التفسير في معرض اختصاصاته الدستورية، والمجلس النيابي لم تُمنح له صلاحية التفسير الملزم بنص دستوري صريح.
التطبيق: يبقى كل خلاف دستوري لا يمرّ عبر قانون مطعون فيه بلا حَكَم يُحال إليه.
ولا نحسم في هذا المقال هل الحل تعديل المادة 19 أم غير ذلك. لكن السؤال صار أوضح:
هل يكفي أن يفسّر المجلس الدستور حين يُطعن أمامه في قانون؟
أم يحتاج لبنان إلى مرجع يُسأل عن معنى الدستور قبل أن يتحول الخلاف إلى تعطيل؟
شاركنا رأيك.
ضمن التحضير لورقة «الدستور اللبناني في الميزان».
أحمد خالد ستيتة
اكتشاف المزيد من عَشرة | منصّة عَشَرة للمحتوى الموزون
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
