المساعدات الصحية إلى لبنان… أين تذهب الأموال، ومَن يصل إليه الدعم؟

المساعدات الصحية إلى لبنان… أين تذهب الأموال، ومَن يصل إليه الدعم؟
الحلقة الرابعة
حين يُحرم مريض من العلاج بسبب كلفته، وحين تعجز أسرة عن تسديد إقامة شخص يحتاج إلى رعاية مستمرة، يصبح من المشروع أن نسأل: ما الموارد المتاحة لمساعدة المرضى؟ وما حجم التمويل المخصص للصحة؟ وكيف نعرف ما أُعلن عنه، وما وصل فعلًا، وما صُرف، وما النتائج التي تحققت؟
هذا السؤال ليس اتهامًا لأي جهة، ولا حكمًا مسبقًا على أداء الدولة أو المنظمات الدولية. إنه سؤال رقابي وحقوقي يهدف إلى معرفة الفجوات، وتحسين توجيه الموارد، وضمان أن تكون المساعدات متاحة لمن صُممت من أجلهم.
الحاجة كبيرة… والتمويل ليس مضمونًا
أعلن البنك الدولي في أيار 2024 أن الفقر النقدي في المناطق التي شملها مسحه في لبنان بلغ 44% عام 2022، وأن نسبة الفقر بين اللبنانيين بلغت 33%، فيما وصلت في عكار إلى 70% ضمن نطاق المسح. وقد شمل المسح خمس محافظات، ولم يكن تعدادًا شاملًا لكل المناطق اللبنانية.
وتشير خطة الاستجابة للبنان لعام 2026 إلى أن نحو 2.99 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدة، وأن الخطة تستهدف الوصول إلى 1.5 مليون شخص. كما تورد أن الفقر المتعدد الأبعاد بين اللبنانيين يبلغ 73%، وفق المرجع الذي تستند إليه الخطة.
هذه الأرقام لا تقيس الحاجة الصحية وحدها، ولا يمكن تحويلها مباشرة إلى عدد مرضى يحتاجون إلى علاج. لكنها ترسم سياقًا اجتماعيًا يوضح لماذا يجب أن تكون الحماية الصحية جزءًا أساسيًا من الاستجابة للفقر والنزوح وتراجع الخدمات.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز تجاهل أن التمويل الإنساني الدولي نفسه يواجه ضغوطًا. فقد أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين توقفها عن تقديم الدعم الاستشفائي المباشر للاجئين في لبنان ابتداءً من كانون الأول 2025 بسبب نقص التمويل العالمي. وأصبح الدعم المحدود الذي قد يتوافر من خلال مستشفيات حكومية متعاقدة مرتبطًا بالأهلية وتوافر الأموال، مع استثناء علاجات مزمنة مثل السرطان وغسيل الكلى المزمن.
إذن، نحن أمام مشكلتين متداخلتين: حاجة واسعة، وموارد لا تكفي لتغطية كل الاحتياجات. ولا يمكن حل المشكلة باتهام المانحين أو المؤسسات، بل بفهم حجم التمويل المتاح، وأوجه تخصيصه، وأسباب الفجوات، والبدائل الممكنة.
ما الذي نعرفه عن برنامج «أمان»؟
يمثّل برنامج «أمان» إحدى أدوات الحماية الاجتماعية للأسر اللبنانية الأكثر هشاشة. لكنه برنامج مساعدة نقدية، وليس تأمينًا صحيًا شاملًا، ولا يغطي تلقائيًا نفقات الاستشفاء أو الإقامة الطويلة في المؤسسات الرعائية.
وقد أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والاتحاد الأوروبي في نيسان 2026 تمويلًا أوروبيًا جديدًا بقيمة 45 مليون يورو، خُصص 40 مليون يورو منه لبرنامج «أمان» لتغطية خمسة أشهر من التحويلات لنحو 90 ألف أسرة من أصل 150 ألف أسرة مؤهلة في المرحلة المعلنة.
كما أوضحت وزارة الشؤون الاجتماعية في أيلول 2026 أن التمويل الإضافي الذي كانت تنتظره من البنك الدولي لم يدخل حيّز التنفيذ بعد، لأنه لا يزال بانتظار إقراره في مجلس النواب، وأن استمرار البرنامج وتوسيعه يتطلب استكمال مسارات التمويل الإضافية.
وتشير المعلومات المتاحة عن موازنة 2026 إلى تخصيص 50 مليون دولار لبرنامج «أمان». لكن من المهم الفصل بين الاعتمادات المرصودة، والأموال المحوّلة فعليًا، وعدد الأسر التي تلقت المساعدة في شهر محدد. فهذه أرقام مختلفة، ولكل منها دلالتها.
ومن هنا، نطالب بنشر بيانات دورية تبيّن التمويل المحلي والدولي، وما صُرف منه، وعدد الأسر المستفيدة فعليًا، وتوزيعها الجغرافي، ومعايير قبول الحالات واستبعادها. ولا يعني ذلك أن كل أسرة خرجت من البرنامج تُركت بلا مساعدة، بل أن الجمهور يستحق معرفة أسباب التغيير وما البدائل المتاحة.
خمسة أسئلة مشروعة
أولًا: ما قيمة المساعدات الصحية التي أُعلن عنها للبنان خلال كل سنة؟ وما قيمة الأموال التي قُبضت فعلًا، وما المبالغ التي صُرفت؟ ينبغي نشر هذه الأرقام كلٌّ على حدة، لأن الإعلان عن التمويل لا يعني بالضرورة أن كامل المبلغ وصل أو صُرف.
ثانيًا: ما الجهات التي تسلّمت الأموال، وما البرامج التي خُصصت لها؟ لا يكفي نشر مجموع التمويل من دون بيان الجهة المنفذة، والفترة الزمنية، والغرض المحدد، والنتائج المتوقعة.
ثالثًا: ما المبالغ التي خُصصت للصحة النفسية، وعلاج السرطان، وغسيل الكلى، والأمراض المزمنة، ودور الرعاية التي تستقبل مرضى يحتاجون إلى إقامة طويلة الأمد؟ وإذا كانت هذه المجالات لا تحصل على تمويل كافٍ، فما الأسباب والمعايير التي أدت إلى ذلك؟
رابعًا: هل توجد تقارير تدقيق مالي مستقلة أو مراجعات للإنفاق والنتائج؟ وإذا كانت موجودة، فهل تُنشر خلاصاتها للجمهور، مع حماية المعلومات الشخصية والطبية للمستفيدين؟
خامسًا: ما تفسير استبعاد بعض الحالات المزمنة من برامج الدعم المتاحة؟ وهل توجد بدائل ممولة لهذه الحالات، أم أنها تُترك لتواجه التكلفة منفردة أو تعتمد على التبرعات الفردية؟
هذه الأسئلة لا تفترض وجود مخالفة، ولا تثبت أن الأموال أُسيء استخدامها. إنها تطلب بيانات تسمح بالتقييم والمساءلة، وتكشف أين تنتهي مسؤولية برنامج وأين تبدأ مسؤولية جهة أخرى.
من الإعلان إلى النتيجة
ينبغي أن تتضمن التقارير العامة مؤشرات عملية، لا مبالغ مالية فقط. كم مريضًا حصل على العلاج؟ كم حالة انتظرت أو رُفضت؟ ما متوسط مدة الانتظار؟ كم أسرة حصلت على مساعدة؟ ما نسبة التمويل التي وصلت إلى البرامج الصحية مقارنة بالنفقات الإدارية والتشغيلية؟ وكيف توزعت الخدمات بين المناطق والفئات؟
ومن الضروري أيضًا الفصل بين التمويل المخصص للطوارئ، وتمويل الرعاية الصحية الأولية، والعلاجات المكلفة طويلة الأمد، والمساعدات النقدية للأسر. فهذه البرامج ليست متطابقة، ولا يجوز احتسابها كأنها تغطي الاحتياج نفسه.
كما ينبغي نشر معايير الأهلية وأسباب الاستبعاد، وفتح قناة واضحة لتقديم الشكاوى أو طلب مراجعة القرار. فوجود معايير محددة قد يكون ضروريًا في ظل محدودية الموارد، لكن وضوحها يساعد على فهم القرارات وتحديد الحالات التي تحتاج إلى مسار آخر للمساعدة.
الشفافية مسؤولية مشتركة
ندعو الوزارات والجهات المانحة والمنظمات الدولية والمؤسسات المنفذة إلى نشر بيانات أكثر تفصيلًا عن التمويل الصحي، وتخصيص جزء واضح من تقاريرها للحالات التي لا تجد تغطية مستدامة. وندعو الجهات الرقابية والإعلامية والجمعيات الأهلية إلى استخدام هذه البيانات في متابعة النتائج، لا في إطلاق اتهامات بلا أدلة.
كما نطالب بإيلاء الصحة النفسية والرعاية الطويلة الأمد اهتمامًا واضحًا في خطط التمويل، لأن غياب هذه الملفات عن التقارير يجعل من الصعب تقدير الفجوة أو قياس أثر المساعدة.
ليس الهدف التشكيك في كل مساعدة، بل ضمان أن تكون المساعدة قابلة للتتبع والتقييم، وأن نعرف ما تحقق وما لم يتحقق، ولماذا.
في الحلقة الخامسة، سنحوّل هذه الأسئلة إلى خطوات عملية: عريضة عامة، ومذكرة إلى النواب ولجنة الصحة النيابية، وتنسيق مع المؤسسات الخيرية والرعائية، واستمرار علني في متابعة النتائج.
فحين تكون الحاجة واضحة، يصبح نشر الأرقام وتفسيرها جزءًا من حماية الناس، لا مجرد إجراء إداري.
أحمد خالد ستيتة
رئيس جمعية عينا المدينة اللبنانية
مدير تحرير منصة عشرة – 10lebanon.com
اكتشاف المزيد من عَشرة | منصّة عَشَرة للمحتوى الموزون
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
