العفو العام: من “مسكنات الهروب” إلى “جراحة الإصلاح”

العفو العام: من “مسكنات الهروب” إلى “جراحة الإصلاح”
بقلم: أحمد ستيتة

تخيّل رجلاً قضى خمس سنوات في زنزانة لم يرَ فيها محامياً، ولم تُوجَّه إليه تهمة واضحة، ثم يُفتح له الباب يوماً ويُقال له: أنتَ حرّ. يخرج. لكن الزنزانة لا تزال هناك. والآلية التي أودعته إيّاها لا تزال تعمل.

هذا بالضبط ما سيصنعه عفوٌ بلا إصلاح.

لقد عرف اللبنانيون العفو العام أكثر من مرة، من عفو 1991 بعد الحرب الأهلية إلى محاولات لاحقة مرتبطة بملفات سياسية وأمنية. لكنهم لم يلمسوا إصلاحاً يوازيه. وحده العفو المقرون بتحصين العدالة يضمن أن لا تتحول السجون إلى أبواب دوّارة، يدخل منها المواطن ليخرج متهماً أبدياً، يعود إليها عند أول اشتباه. وتشير تقارير منظمات حقوقية متعددة إلى أن أغلبية نزلاء السجون اللبنانية هم موقوفون احتياطياً، وبعضهم أمضى سنوات دون محاكمة، ما يجعل أي عفو لا يعالج أصل الخلل مجرد تأجيل للمشكلة.

بينما تنشغل اللجان النيابية المشتركة بمناقشة بنود من قبيل “الإعدام” و”تخفيض السنة السجنية”، يبرز سؤال يتجاوز لحظة خروج السجين إلى ما بعدها: ماذا بعد؟ هل نفتح أبواب السجون لنملأها مجدداً بالآليات نفسها، وبالملفات ذاتها التي شابها التعسف أو الانتقائية؟

إن أي عفو لا يواكبه تحصين تشريعي ودستوري سيبقى مجرد إعادة تدوير للأزمة، وتأجيلاً لانفجارها، لا حلاً لها.

من هنا، نضع أمام المشرّع اللبناني والرأي العام والحراك الحقوقي ما نسمّيه “وثيقة تحصين العدالة” — مجموعة مواد نقترح إقرارها بالتوازي مع قانون العفو، لضمان أن يكون هذا القانون مدخلاً للإصلاح، لا محطةً عابرة في مسار الخلل.

أولاً: ضمانات ما قبل المحاكمة
المادة الأولى: ضبط الاستدراج الجرمي
المبدأ: حماية المواطنين من الاستدراج غير المنضبط، مع صون مقتضيات العمل الأمني المشروع.
يُحظر الاستدراج الجرمي، سواء أكان رقمياً أو ميدانياً، من قِبَل عناصر أمنية بهويات منتحلة، إلا ضمن ضوابط صارمة يحددها القضاء المختص. وتُعتبر الأدلة الناتجة عن استدراج مخالف لهذه الضوابط غير صالحة للاعتماد، ما لم تقترن بفعل جرمي مادي واضح.

المادة الثانية: إخضاع وثائق الاتصال لرقابة قضائية
المبدأ: لا يُبنى التوقيف على تقارير أمنية خارج نطاق الإشراف القضائي.
تُخضع وثائق الاتصال ولوائح الإخضاع لرقابة قضائية إلزامية، ولا يُعتد بها كأساس للتوقيف ما لم تقترن باستنابة صادرة عن النيابة العامة المختصة، وبأدلة مادية داعمة.

ثانياً: المحاكمة العادلة وإصلاح القضاء
المادة الثالثة: تنظيم صلاحيات المحكمة العسكرية
المبدأ: ضمان محاكمة المدنيين أمام قاضيهم الطبيعي.
تُحصر تدريجياً صلاحية المحكمة العسكرية بمحاكمة العسكريين، مع نقل قضايا المدنيين — لا سيما المرتبطة بحرية التعبير والتجمهر — إلى القضاء العدلي المختص، بما يضمن حقوق الدفاع وتعدد درجات التقاضي.

المادة الرابعة: التعويض عن التوقيف غير المبرر
المبدأ: الدولة مسؤولة عن أخطائها القضائية.
لكل من ثبتت براءته بعد توقيف احتياطي تجاوز المدة القانونية، أو ثبت تعرّضه لاعترافات منتزعة تحت الإكراه، الحق في طلب تعويض مادي ومعنوي من الدولة، وفق آلية تُحدَّد بمرسوم تنظيمي خلال ستة أشهر من تاريخ نفاذ القانون، مع تصحيح سجله العدلي.

المادة الخامسة: إعادة النظر في الأحكام الغيابية
المبدأ: ضمان حق المحاكمة العادلة لكل مواطن.
يُعاد النظر في الأحكام الغيابية الصادرة في قضايا استندت إلى تقارير غير مدعومة بأدلة مادية كافية، ويُمنح المحكوم حق المثول أمام القضاء العدلي لإعادة محاكمته وجاهياً، مع مراعاة أصول المحاكمة العادلة.

ثالثاً: إصلاح بيئة الاحتجاز
المادة السادسة: الرقابة المستقلة على أماكن التوقيف والتحقيق
المبدأ: منع التعذيب وضمان نزاهة الإجراءات.
تُنشأ آلية رقابة مستقلة تضم ممثلين عن نقابتَي المحامين ونقابة الأطباء والهيئة الوطنية لحقوق الإنسان إن وجدت ومنظمات حقوقية مختصة، تُمنح صلاحية الدخول الدوري والمفاجئ إلى أماكن التوقيف والتحقيق، وإصدار تقارير دورية تُحال إلى الجهات القضائية وتُؤخذ بعين الاعتبار في تقييم سلامة الإجراءات.

المادة السابعة: معايير الاحتجاز الإنساني
المبدأ: الكرامة الإنسانية لا تسقط بحكم قضائي.
تلتزم الدولة بضمان الحد الأدنى من الظروف الإنسانية في مراكز الاحتجاز، وتشمل: الكثافة السكانية المعقولة في الزنازين، والرعاية الصحية الأساسية، والإضاءة الطبيعية، وحق الموقوف في التواصل مع ذويه ومحاميه. يُحظر كل شكل من أشكال العقوبة البدنية أو الإذلال المتعمد، ويُعدّ كل انتهاك لهذه المعايير جريمة يعاقب عليها القانون.

المادة الثامنة: إصلاح البنية التحتية للسجون
المبدأ: السجن عقوبة بالحرية لا بالمرض والعذاب.
تُعدّ الحكومة خلال سنة من إقرار هذا القانون خارطة طريق لإصلاح المنظومة السجنية، تتضمن: إنشاء مرافق احتجاز جديدة أو تأهيل القائمة منها وفق معايير دولية، وتخصيص ميزانية لبرامج التعليم والتأهيل المهني داخل السجون، وفصل الموقوفين الاحتياطيين عن المحكوم عليهم، وفصل القاصرين عن البالغين في جميع مراكز الاحتجاز. إن الإبقاء على منظومة سجنية مكتظة يكلف الخزينة أعباء مالية كبيرة في الطبابة والغذاء، بينما برامج التأهيل تقلل من نسب العود إلى الجريمة وفق تجارب مثبتة، ما يجعل الإصلاح استثماراً في الأمن والاقتصاد معاً.

رابعاً: ما بعد العفو — ضمانات إعادة الاندماج والإصلاح الهيكلي
المادة التاسعة: المواءمة بين العفو وإعادة الاندماج
المبدأ: تحويل المستفيد من العفو إلى عنصر فاعل في المجتمع، لا عبء عليه.
تُربط الاستفادة من بعض أحكام العفو في الجرائم غير العنيفة بتوفير برامج تأهيل مهني أو مشاريع إنمائية وبيئية من قِبَل الدولة دون تحميل الفرد كلفة مادية. ويُمنع صاحب العمل من التمييز بين المواطنين بسبب سوابق أُلغيت مفاعيلها بموجب العفو.

المادة العاشرة: التقييم المسبق لأثر القانون
المبدأ: لا تشريع دون معرفة نتائجه.
تلتزم الحكومة، قبل إقرار هذا القانون، بإعداد ونشر تقرير تقييمي يعتمد على تحليل بيانات الموقوفين والمحكومين، يحدد عدد المستفيدين وتصنيف الجرائم والتأثيرات الأمنية والاجتماعية المتوقعة، بما يضمن اتخاذ القرار على أسس موضوعية لا انتخابية.

المادة الحادية عشرة: إلزامية الإصلاح القضائي الموازي
المبدأ: العفو إجراء استثنائي، لا نمط متكرر.
يُعتبر هذا القانون تدبيراً استثنائياً لمرة واحدة، وتلتزم السلطة التشريعية بإقرار القوانين اللازمة لتعزيز استقلال القضاء وتنظيم صلاحيات القضاء العسكري خلال مهلة زمنية محددة، منعاً لتكرار الأسباب التي أوجبت هذا العفو.

المادة الثانية عشرة: الرقابة البرلمانية اللاحقة
المبدأ: ضمان التنفيذ ومنع تحويل الإصلاح إلى حبر على ورق.
تُنشأ لجنة نيابية خاصة تتولى متابعة تنفيذ بنود “وثيقة تحصين العدالة”، وترفع تقريراً نصف سنوي علني حول مدى الالتزام بها، ولها صلاحية استدعاء الوزراء المعنيين ومساءلتهم تحت قبة البرلمان عند ثبوت أي تقصير.

خاتمة — أمام خيار لا ثالث له
هذه الوثيقة ليست موجّهة إلى جهة واحدة: هي للمشرّع الذي يملك قلم التوقيع، وللرأي العام الذي يملك صوت الضغط، وللحراك الحقوقي الذي يملك لغة الشهادة. كل واحد من هؤلاء جزء من المعادلة — وغياب أيٍّ منهم يعني فشل الإصلاح.

إن العدالة التي ينشدها اللبنانيون ليست عدالة الإفراج المؤقت، بل عدالة تغيير المنهج. العفو الذي لا يعالج أسباب الظلم سيعيد إنتاجه بأشكال مختلفة. والقانون الذي لا يُبنى على معايير واضحة سيفتح الباب مجدداً للمزاجية.

اليوم، أمام المجلس النيابي خيار واضح: إما أن يحوّل هذا الاستحقاق إلى نقطة تحوّل في مسار العدالة، أو أن يكتفي بإنتاج هدنة مؤقتة تؤجل المشكلة ولا تحلها.

إن العفو الذي لا يغيّر طريقة إنتاج الظلم، ليس عدالة. هو توقيع على الجريمة القادمة.