تَناوَلَ أَمينُ فَتوى طَرابُلُسَ والشَّمال، شَيخُ قُرّاءِ المَدينةِ، بِلالُ بارودي، في خُطبةِ الجُمُعةِ مِنَ المَسجِدِ المَنصوريِّ الكَبير، المُستَجَدّاتِ الأَخيرةَ في طَرابُلُس، وقال:
«نَحنُ نَستَقبِلُ شَهرَ رَمَضانَ وطَرابُلُسُ تَنزِفُ، وطَرابُلُسُ ثَكلى، وهكَذا هيَ طَرابُلُسُ في كُلِّ الأَوقاتِ عِندما تُستَهدَف. رُبَّما يَظُنُّ بَعضُكُم أَنَّ طَرابُلُسَ استُهدِفَت مُنذُ الأَحداثِ في الحَربِ الأَهلِيَّة، ولكِنَّ الكَبيرَ في السِّنِّ يُدرِكُ حَقيقةَ ما أَقول: طَرابُلُسُ استُهدِفَت فِعلًا بَعدَ طوفانِ النَّهر، وبَدَأَتِ المُؤامَرَةُ على طَرابُلُسَ لِسَلخِنا مِن تَاريخِنا ولِطَمسِ مَعالِمِنا، ولِتَغييرِ البِيئَةِ فيها ولِتَغييرِ النَّمَطِ الاجتماعيِّ الَّذي كانَت عَلَيه.»
وأضاف:
«إِنَّ طَرابُلُسَ لَن تَستَجديَ أَحَدًا لِيُعطيَها مالًا، إِنَّما تُريدُ أَن تَستَوفيَ حَقَّها؛ حَقَّها في العَيش، وحَقَّها في الوُجود، كَمِثلِ باقي المُدُنِ في النُّمُوِّ والازدهارِ والاقتِصاد.
فعلى سَبيلِ المِثالِ، تَجِدُ حَيًّا لا قِيمَةَ لَهُ أَثَريًّا يُحَوِّلونَهُ إِلى مَركَزٍ، فَيَتَدَفَّقُ إِلَيهِ الزُّوّار.»
«ونُريدُ أَن نُذَكِّرَ أَنَّ طَرابُلُسَ هي حاضِنَةُ الحَضارات، فَقَد حَوَتِ الدُّنيا؛ فهيَ العِلمُ، وهيَ الآباءُ، وهيَ الأَثَرُ، وهيَ التّاريخُ، وهيَ الدِّينُ والتَّعايُش.»
«وإِنَّنا عِندما نَرى هذا الإِهمالَ — ولا نُسَمّيهِ إِهمالًا، إِنَّما نُسَمّيهِ مُؤامَرَةً على طَرابُلُس — نَسأَل: هَل تَكفي مَسأَلَةُ الإِحصاءِ؟ فطَرابُلُسُ لَم تَتَعَرَّض لِقَصفٍ إِسرائيليّ، إِنَّما اغتُصِبَت مِن قِبَلِ الجَيشِ السّوريِّ مُنذُ عامِ 1976، ولَم يَخضَع أَيُّ مَبنىً لِإِعادةِ التَّرميمِ والإِصلاح؛ فَلِماذا حَصَلَ ذلِكَ؟»
«ونَسأَل: هَل إِنَّ طَرابُلُسَ لَيسَت على خَريطَةِ لُبنان؟ وهُنا تَكمُنُ المُشكِلَة.
إِنَّه عِندما تُقَرُّ القَوانينُ وتُدرَسُ المَشاريعُ، فَإِنَّه لا وُجودَ لِاسمِ طَرابُلُسَ فيها. فَقَد نُفِّذَ مَشروعُ الحَريريِّ في القُبَّة، ثُمَّ تَوَقَّف دونَ أَن تُستَكمَلَ باقي المَشاريع، ودونَ أَن تَتَغَيَّرَ هذِهِ المِنطَقَةُ الَّتي خَضَعَت لِلفُجورِ والطُّغيان، لِتَعودَ مِنطَقَةً أَثَريَّةً على ضِفافِ نَهرِ أَبي علي.»
«أَمّا ما يوجَدُ اليَومَ فَهُوَ مَبانٍ مُتَهالِكَة، ونُفاياتٌ مَرمِيَّة، ومَسأَلَةٌ ضائِعَةٌ تائِهَةٌ بَينَ المَسؤولينَ والبَلَدِيَّة.
فَما يَجري أَنَّه لا مَسؤوليَّةَ في لُبنانَ ولا في طَرابُلُس؛ لا أَحَدَ يَتَحَمَّلُ المَسؤوليَّة. فَأَينَ نُوّابُ طَرابُلُس؟ وأَينَ وُزَراؤُها؟ وأَينَ أَغنِياؤُها؟ فَلْيَرفَعوا الصَّوت: ماذا تُريدونَ مِن طَرابُلُس؟ ولْيَقولوا إِنَّنا نُريدُ لِطَرابُلُسَ أَن تَعودَ كما كانَت.
مِن حَقِّنا؛ فَلَيسَت أَيُّ مِنطَقَةٍ أَهمَّ مِن طَرابُلُس.»
«وإِن أَرَدنا أَن نُعيدَ طَرابُلُسَ كما كانَت، فَلا نَحتاجُ مِن الإِنماءِ والإِعمارِ أَن يُصَحِّحَ عَدَدًا مِن المَباني؛ بَلِ الَّذي نُريدُهُ — وبِكُلِّ وُضوحٍ وصَراحَة — أَن تُعتَمَدَ طَرابُلُسُ ضِمنَ خُطَّةِ إِعمارِ سوريّا، فَلَم يُدَمَّر أَيُّ جُزءٍ في طَرابُلُسَ خِلالَ الخَمسينَ سَنَةً الماضية إِلّا بِفِعلِ عَمَلِ الجَيشِ السّوري.»
«فَكَما سَتُبنى حِمص، يَنبَغي أَن تُبنى طَرابُلُس، وكَما سَتُبنى حَماة، يَنبَغي أَن تُبنى طَرابُلُسُ مَدينَةً مُتَكامِلَة.
هذا ما نُريد، ولا نُريدُ أَن نَستَجديَ بِضعَةَ مَلايين، بَل نُريدُ إِعادةَ بِنائها ضِمنَ مَشروعٍ حَقيقيّ.»
«نَحنُ لَم نُغَيِّر مَعدِنَنا في طَرابُلُس، ولَم نَقِف في وَجهِ أَحَد، ولا في وَجهِ الطَّوائِف، ولا في وَجهِ الدَّولَة؛ بَل نَحنُ مَعَ الدَّولَةِ مُنذُ أَن أُنشِئَت.
ومَعَ ذلِكَ نُريدُ أَن نَكونَ في حِضنِ الدَّولَة، ولكِن بِشَرطِ أَن تَعتَرِفَ الدَّولَةُ بِأَبنائِها.»
«إِنَّ إِعمارَ طَرابُلُسَ إِعمارٌ لِلُبنان، أَمّا إِعمارُ الجَنوبِ على حِسابِ طَرابُلُسَ فَلا يُمكِنُ أَن نَقبَلَ بِذلِكَ.
لِذلِكَ فَالإِنصافُ يَقتَضي أَن نُعيدَ إِعمارَ طَرابُلُسَ كَما أُعيدَ إِعمارُ سوريّا.»
«ونَسأَلُ اليَوم: أَينَ الفَيحاءُ الَّتي تُسَمّى فَيحاء، وَتَغرَقُ في غُيومٍ سَوداء؟
لِذلِكَ، عِندما تُريدُ الدَّولَةُ أَن تَستَعيدَ طَرابُلُس، يَنبَغي أَن تَستَعيدَ دَورَها، لِأَنَّها المَدينَةُ الثّانِيَة.»
«فَلَن يُحافِظَ على دَورِ طَرابُلُسَ إِلّا رِجالٌ يَعرِفونَ قِيمَتَها وتاريخَها وحَضارَتَها، وَالأَيّامُ قادِمَةٌ حَتّى يُبرهِنَ النّاسُ أَنَّهُم يُحسِنونَ اختِيارَ الرِّجالِ الَّذينَ يَعرِفونَ قِيمَةَ طَرابُلُس.»
