ملعب طرابلس الأولمبي… فرصة ضائعة في لحظة رياضية عالمية

عند المدخل الجنوبي لطرابلس، يقف الملعب الأولمبي كمساحة واسعة وصامتة. المدرجات خالية، العشب باهت، والهيكل المعدني للمنشأة يشي بتراجعٍ عمره سنوات. مشهد يبدو عادياً لمن مرّ أمامه مراراً، لكنه يحمل سؤالاً أساسياً: لماذا بقي هذا الملعب خارج اهتمام الإنماء الرياضي في الشمال؟

هذا السؤال عاد بقوة بعد زيارة رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو إلى بيروت، حيث أكّد أن «الوقت حان لبناء ملعب لكرة القدم في لبنان على أعلى المستويات». زيارة سلطت الضوء على اهتمام عالمي بكرة القدم اللبنانية، لكنها كشفت أيضاً فجوة واضحة بين الطموح الوطني والواقع الميداني في طرابلس.


زيارة دولية… وواقع محلي غير مستغل

أثناء لقائه رئيس الجمهورية في بيروت (مصدر: بيان القصر الجمهوري – تشرين الثاني 2025)، شدّد إنفانتينو على استعداد «الفيفا» لدعم البنية التحتية، قبل أن يزور مقرّ الاتحاد اللبناني ويطّلع على التحديات الفنية والإدارية.

لكن ما لفت الانتباه هو أن هذا الاهتمام لم يترجم حتى الآن بخطة واضحة للشمال، رغم أن طرابلس تُعدّ ثاني أكبر مدينة في لبنان وتملك قاعدة شبابية واسعة ونوادٍ ناشطة.

 

الملعب الأولمبي، الذي أُنشئ ليستوعب نشاطات محلية ودولية، لم يخضع لأي تأهيل جدّي منذ عام 2011.

وتُظهر جولة ميدانية سريعة (مصادر ميدانية – بلدية طرابلس، 2024) أن:

  • العشب يحتاج إعادة زراعة كاملة
  • المدرجات غير آمنة في أقسام عدة
  • المرافق غير صالحة للاستخدام المنتظم
  • الإضاءة والبنية التحتية التقنية متوقفة منذ سنوات

هذه المعطيات تجعل الملعب خارج أي منافسة لاستضافة مباريات رسمية أو نشاطات جامعية ومدرسية واسعة.


فجوة بنيوية في أكبر مدن الشمال

تحليل وضع الملعب يكشف أن المشكلة ليست رياضية فقط، بل تنموية واجتماعية.
فغياب منشأة رياضية مؤهلة في مدينة بحجم طرابلس يترك آثاراً متعددة:

  • فرص أقل للشباب للمشاركة الرياضية
  • ضعف ارتباط الجامعات والمدارس بالأنشطة الجماعية
  • تراجع الروابط المجتمعية
  • غياب مساحات آمنة للنشاطات المشتركة

وبحسب تقارير التنمية الحضرية من اليونيسف فإن البنى الرياضية في المناطق الطرفية تُعدّ من أهم أدوات الدمج الاجتماعي وتحسين الصحة النفسية، خصوصاً لدى الفئات الشابة.

 

ماذا يعني تأهيل ملعب طرابلس؟
وفق منهجية «عَشَرة» في التحليل التنموي، يمكن النظر إلى الملعب كأصل اجتماعي واقتصادي، لا مجرد بنية رياضية.

 

1. اجتماعياً
• يشكل مساحة للتلاقي بين مختلف أحياء المدينة.
• يخفف من العزلة الاجتماعية لدى فئات الشباب.
• يعزز الانتماء والهوية المشتركة.

 

2. اقتصادياً
• النشاط الرياضي المنتظم يخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
• ينعش المقاهي الصغيرة، متاجر الرياضة، وسائل النقل، والخدمات المجاورة.
• يساهم في رسم صورة جديدة عن طرابلس كمدينة نابضة بالحياة.

 

3. تنموياً
• يوفر منصة للأندية المحلية لتطوير مواهبها.
• يشجع شراكات بين بلديات الشمال والمجتمع المدني.
• يعزّز دور طرابلس في الخريطة الرياضية الوطنية.
هذه العناصر تُظهر أن تأهيل الملعب ليس مشروعاً ترفيهياً، بل استثمار في الإنسان والبنية الاجتماعية.

خطة تأهيل واقعية قابلة للتنفيذ

استناداً إلى تجارب مدن مشابهة (مصادر: دراسات تنمية رياضية – FIFA Development Reports 2022–2024)، يمكن وضع إطار عملي لإعادة إحياء

الملعب الأولمبي:

1. تأهيل البنية الأساسية

  • تحسين العشب وفق مواصفات الملاعب المعتمدة.
  • صيانة المقاعد، الأسوار، غرف تبديل الملابس.
  • تحديث الإضاءة والأنظمة التقنية.

2. ربط الملعب بالجامعات والمدارس

  • تخصيص أيام أسبوعية للتدريب المدرسي.
  • إطلاق بطولات جامعية دورية في الشمال.
  • تشجيع الأكاديميات المحلية على اعتماد الملعب كمركز تدريبي.

3. شراكات رياضية

  • إطلاق برنامج تدريب مدعوم من الفيفا أو اتحادات عربية.
  • تنظيم ورش عمل للمدربين والحكام.
  • استضافة فعاليات شبابية غير تنافسية لتعزيز المشاركة.

4. نموذج استدامة

  • تخصيص جزء من العائدات الرمزية لصيانة سنوية.
  • إشراك البلديات المجاورة في الإدارة.
  • فتح المجال أمام رعاة محليين لدعم الأنشطة مقابل ظهور محدود ومنظّم.

 

اليوم، ومع الانتباه الدولي لكرة القدم اللبنانية، تمتلك طرابلس فرصة نادرة لتضع ملعبها الأولمبي على خريطة الاهتمام الوطني.
فالملعب ليس مبنى مهجوراً، بل طاقة اجتماعية كامنة تحتاج إلى إدارة ورؤية واستثمار في الإنسان قبل الإسمنت.

 

إذا كانت الرياضة تُبنى في الملاعب، فإن التنمية تُبنى في المدن.
وطرابلس تستحق ملعباً يعكس حجمها، طاقتها، وشبابها.