
طرابلس تنزف من جديد: “شارع سوريا” ينهار فوق رؤوس قاطنيه.. والأنقاض شاهدة على الإهمال!
طرابلس | التبانة – بقلم: أحمد ستيتة
لم يكن انهيار مبنى “خلف فراريج أبو العبد” في شارع سوريا بباب التبانة مجرد حادث إنشائي مرّ في تمام الساعة الرابعة من عصر اليوم؛ بل كان صرخة مدوية في وجه “ضمائر” تعفنت قبل أن تتساقط جدران طرابلس المنهكة. ففي لحظة واحدة، تحوّل مأوى عشر عائلات إلى ركام، واختلطت أحلام الأطفال ببارود الركام وصمت الفقد.

الفاجعة بالأرقام والميدان
حتى ساعة كتابة هذه السطور، وبعد مرور أربع ساعات مضنية من العمل المتواصل تحت أضواء الكشافات وغبار المأساة، أفادت المعطيات الميدانية عن انتشال ستة شهداء وطفل رضيع ارتقوا ضحايا للإهمال المستشري، فيما كُتبت نجاة جديدة لـ تسعة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال خرجوا من عتمة الأنقاض ليروا شمساً لم تشرق بعد على منطقتهم المنكوبة.
فرق الإنقاذ من الجيش اللبناني، قوى الأمن الداخلي، الصليب الأحمر، والدفاع المدني، ما زالت تُسابق الزمن بإمكانياتها وآلياتها المتواضعة، لإزاحة جبال من الردم بحثاً عن أنفاسٍ قد تكون لا تزال تقاوم تحت وطأة الإسمنت والحديد.
“شارع سوريا”.. جرح الحروب الذي لم يندمل
هذا المبنى، بأساساته الضعيفة وجدرانه المتصدعة، لم يكن وحيداً في مواجهة القدر؛ فهو يقع في “مثلث الموت” بجوار مبانٍ هي من مخلفات جولات العنف والحروب التي عصفت بالمنطقة في السبعينيات والثمانينيات. تلك الأبنية الآيلة للسقوط والتي تُركت لتكون “قنابل موقوتة” بين أحياء مأهولة، أدت اليوم إلى إخلاء فوري للمبنى المجاور للمبنى المنهار، وسط مخاوف حقيقية من “تأثير الدومينو” الذي قد يسقط المنطقة بأكملها.
غضب شعبي وتيه أمني
وفي المشهد الميداني، يعجز الكلام عن وصف حال الأهالي المتجمهرين الذين غصّت بهم الأزقة المحيطة. حالة من الغضب العارم والذهول تسيطر على الموقف، حيث يحاول السكان بأيديهم العارية أحياناً المساعدة في رفع الأنقاض، وسط صعوبة بالغة للأجهزة الأمنية في ضبط التدافع أو إبعاد المواطنين عن منطقة الخطر المحدق.
غياب الإنذار.. السقوط الأخلاقي الأكبر
بينما كان يسقط المبنى، سقطت معه كل ادعاءات “المسؤولية الرسمية”. فالمعلومات الأولية تؤكد أنه لم يتم توجيه أي إنذار مسبق للسكان لإخلاء المبنى، رُغم وضوح تصدعاته وضيق حال أصحابه. لقد تُركت العائلات لمواجهة مصيرها في بناء متهالك، وكأن “فقر الحال” في باب التبانة صار حكماً بالإعدام مع وقف التنفيذ.
الخاتمة: ميزان مكسور في “فيحاء” الوجع
إن ما حدث اليوم في شارع سوريا هو تكرارٌ لمأساة “القبة” الشهر الماضي، وسيبقى الجرح مفتوحاً ما دامت أرواح الطرابلسيين أرخص من تكلفة “تدعيم” أو “ترميم”. اليوم سقطت الجدران، لكن السؤال يبقى معلقاً في هواء الشمال البارد: من سيحاسب من؟ ومن سيؤمن مأوى لمن بقي حياً وهو ينظر إلى بيته الذي صار قبراً؟
طرابلس لا تطلب العزاء.. طرابلس تطلب العدل.
