الميزان الحضاري (الآية 25:57): الخيار الثالث بين فكي التبعية والانهزام
يعيش العقل اللبناني اليوم واحدة من أخطر لحظات الانكشاف الوجودي، حيث يُراد له أن يُسجن بين فكي كماشة: إما القبول بتبعية مطلقة لمشاريع إقليمية قد لا تشبهه، أو الارتماء في أحضان “الكيان البلفوري” اللص تحت مسميات “الواقعية” و”الازدهار السياحي”.
وفي هذا الضجيج، يغيب الخيار الثالث؛ خيار الميزان الذي لا يميل مع ريح القوة، بل يرسو عند ثوابت الحق.
أولاً: لصوصية “بلفور” ليست قدراً
إن محاولة البعض تصوير الكيان الصهيوني كمنقذ أو كوجهة سياحية هي “هزيمة نفسية” تسبق الهزيمة العسكرية.
القوة الأمريكية، وإن حشدت أساطيلها لنصرة الباطل، لا تمنحه شرعية تاريخية ولا صوابية أخلاقية.
نحن في “الميزان الحضاري” نؤمن بأن الحق لا يموت بغلبة السلاح، وأن “البلطجة” الدولية التي شرعنت سرقة الأرض لا يمكن أن تُحوّل اللص إلى “جار” أو “شريك”.
ثانياً: ندّيّة الدولة فوق خصومات السياسة
نحن نختلف مع السياسات الإيرانية في لبنان، ونعارض تغييب الدولة لصالح أي محور كان، لكن هذا “الخلاف الداخلي” لا يعني بأي حال من الأحوال “التحالف مع العدو”.
الميزان هنا دقيق جداً: نرفض أن نكون “ساحة بريد” للقوى الإقليمية، وفي الوقت ذاته نرفض أن نكون “مستعمرة سياحية” للكيان.
إن المفاوض اللبناني الذي يجلس اليوم على الطاولة يمثل “لبنان الكبير”؛ الدولة الندّية الحرة، وليس حزباً أو طائفة. تمسكنا بشرعية الدولة في المفاوضات هو جزء من كرامتنا الوطنية، حتى وإن كنا نطالب بتغيير “الدستور” من جذوره لبناء عقد اجتماعي أكثر عدلاً ونزاهة.
ثالثاً: الإصلاح الجذري هو الدرع الحقيقي
إن مطالبتنا بتغيير الدستور اللبناني وتطوير القوانين (خاصة في القضاء والإدارة المحلية كالبلديات) ليست ترفاً فكرياً، بل هي الطريق الوحيد لإنتاج دولة قوية لا تحتاج لـ “حماية” الخارج ولا تخشى “تهديد” العدو.
إن الخيار الثالث هو خيار بناء القوة الذاتية القائمة على:
- العدالة الاجتماعية: التي تحصن المواطن من العوز والارتهان.
- الشفافية القضائية: التي تعيد الثقة بالمؤسسات.
- السيادة الندّية: التي تتعامل مع العالم كشريك لا كتابع.
خاتمة: رسالة إلى “ناشطي المساحات على منصة إكس”
إلى الذين يبشرّون برحلات سياحية عبر حيفا وتل أبيب نكاية بالخصم السياسي: إنكم لا تبيعون موقفاً سياسياً، بل تبيعون “ذاكرة الأرض” و”دماء الحق”.
الخيار الثالث موجود، وهو خيار العقل، الميزان، والكرامة. لبنان ليس مضطراً للاختيار بين “مُصادِر للقرار” وبين “لص للأرض”.
لبنان يمكنه، ويجب عليه، أن يكون هو الميزان.
أحمد خالد ستيتة/رئيس جمعية عينا المدينة اللبنانية، مدير تحرير منصة عشرة




