مبادرة تُعيد الحياة إلى قلعة طرابلس وتجمع شباب المناطق المتنازِعة

قلعة طرابلس، المعلم التاريخي الأكبر في شمال لبنان، استعادت هذا الأسبوع جزءًا من روحها… ليس بسبب حجارة جديدة أو صيانة هندسية، بل لأن شبابًا كانوا على خطوط التماس قبل سنوات، عادوا ليقفوا معًا داخل أسوارها، يعملون وينظّفون ويضيئون زواياها. مبادرة صغيرة بحجمها، كبيرة بمعناها، قادتها جمعية مارتش بالتعاون مع وزارة الثقافة، الجيش اللبناني، جهاز الطوارئ والإغاثة، وبلدية طرابلس، ضمن عنوان لم يكن يومًا مجازيًا: «المصالحة من خلال الثقافة».

 شبابٌ يعودون من زمن الانقسام إلى قلب المدينة

العمل الذي استمر أكثر من شهر داخل القلعة شارك فيه عشرات الشباب من مناطق طالما ارتبط اسمها بالتوتر:  باب التبانة، الملولة، المنكوبين، جبل محسن، ووادي نحلة. كثيرون منهم كانوا سابقًا جزءًا من نزاعات مسلّحة، واليوم ينظّفون موقعًا أثريًا واحدًا، يرفعون الحجارة معًا، يركّبون الإنارة، ويستعيدون علاقة جديدة بمدينتهم.

القلعة التي عانت الإهمال، وتراكم الأعشاب، وتش cracks التفتت، استعادت جزءًا من شكلها… لكنّ الأهم أنها استعادت ناسها.

بناء ثقة على خطوط تماس سابقة

المبادرة تأتي ضمن برنامج المصالحة الذي تعمل عليه مارتش منذ سنوات، عبر مشاريع مجتمعية تخفّف الاحتقان وتعيد وصل المناطق المهمّشة بعضها ببعض. واللافت أنّ هذا العمل لم يُنجز فقط بجهود الشباب، بل كان جزءًا من تعاون مباشر مع الجيش اللبناني، ومديرية الآثار، وبلدية طرابلس، وهيئات الإغاثة. تعاونٌ يفتح مساحة جديدة من الثقة بين أبناء هذه المناطق والدولة ومؤسساتها.

المدينة تتنفّس من جديد

برعاية وزير الثقافة، مثّلته المديرية العامة للآثار، اجتمع ممثلو مؤسسات رسمية وعسكرية ودبلوماسية داخل القلعة إلى جانب الأهالي. عُرض فيلم يوثّق مراحل العمل، ثم اعتلت رئيسة مارتش، ليا بارودي، المنصّة لتذكّر بأن ما جرى ليس فعلًا تقنيًا، بل خطوة ضمن مسار طويل لإعادة ترميم العلاقات داخل طرابلس، وتقديم فرصة ثانية لشباب لطالما جرى الحكم عليهم من الماضي.

بارودي شدّدت على أن التغيير يحصل عندما يُعامل الشباب بكرامة ويُستمع إليهم، لا عندما تُلصق بهم الوصمات. وأكّدت أن الجيش كان جزءًا أساسيًا من بناء هذا الجسر بين الدولة والناس. كما شكرت السفارة البريطانية على دعمها، ووزارة الثقافة وبلدية طرابلس على شراكتهم.

طرابلس تحتفل… وشبابها يروون قصصهم

الكلمات التي توالت من مديرية الآثار، ورئيس بلدية طرابلس، والسفارة البريطانية، ركّزت على فكرة واحدة: أن المصالحة لا تُعلن ببيانات، بل تُبنى فعلًا، حين يصير العمل المشترك أقوى من الخوف المتبادل.

أصوات الشباب أنفسهم كانت الأكثر تعبيرًا.أحد المشاركين من جبل محسن قال إن دخوله القلعة كان للمرة الأولى في حياته، وإن أكثر ما أثار شعوره بالفخر هو العمل جنبًا إلى جنب مع شباب من التبانة وعناصر من الجيش.
شاب آخر من المنكوبين لخّص التجربة بجملة موجعة وصادقة: «كل العالم بيحكمنا على ماضينا… بس ما في غير مارتش اللي نسّتنا ماضينا».

شهادات تقدير… وعلم يرتفع فوق القلعة

بعد توزيع شهادات التقدير على أكثر من 60 شابًا وعسكريًا شاركوا في المشروع، رُفع العلم اللبناني فوق سور القلعة على وقع الموسيقى العسكرية. لحظة رمزية، لكنها تعكس ما يوحّده الناس فعليًا: الشعور بأن المكان يخصّ الجميع.

القلعة التي تضم محرابًا ومذبحًا داخل جدرانها بقيت دائمًا رمزًا للتعايش. واليوم، بـ«تنظيف» واحد، استعادت جزءًا من دورها كمساحة تُذكّر بأن طرابلس ليست مدينة صراع، بل مدينة قادرة على إعادة ابتكار نفسها كل مرة.

ثقافة تُصالح… ومدينة تُكتب من جديد

إذا كان ترميم القلعة عملًا ماديًا، فترميم العلاقات عملٌ أعمق. وهذا المشروع كان رسالة حيّة بأن الثقافة قادرة على جمع ما فرّقته الحرب، وبأن الشباب حين يُمنحون فرصة يُثبتون أنهم جزء من الحل، لا امتداد للمشكلة.

مارتش تستكمل اليوم مبادراتها في الأحياء المهمّشة في طرابلس وبيروت، سعيًا لفتح مسارات جديدة للحوار، وتقديم بدائل عن العنف، وتمكين شباب قادرين على أن يكونوا سفراء لمدن تستحق مستقبلًا أفضل.