شهدت طرابلس ومدن اتحاد الفيحاء (الميناء، البداوي، القلمون) إعلاناً مقلقاً بوقف أعمال كنس وجمع النفايات، صدر عن شركة لافاجيت بتاريخ 30 تشرين الأول 2025. لكن هذا الإعلان لم يكن مجرد خبر عن إضراب، بل هو جرس إنذار يكشف عن فشل هيكلي في الحوكمة المحلية وكيف يمكن أن يقوض الإدارة المتقاعسة أي رؤية طموحة للتحول نحو “الشمال الأخضر”.
تؤكد الشركة في بيانها أنها استمرت في تقديم خدماتها لعدة أشهر “رغم عدم وجود غطاء قانوني أو مالي” بعد انتهاء عقدها في حزيران. هذا الجزء هو جوهر الأزمة التحليلية:
- الفشل في التخطيط: يعني تأخير اتخاذ قرار التمديد المؤقت أو المباشرة بمناقصة جديدة أن الجهات المعنية لم تخطط لانتقال سلس للخدمة الأساسية للمواطنين.
- الغطاء القانوني والمالي: إجبار شركة على العمل دون غطاء قانوني يعرض الشركة والبلديات لمخاطر كبيرة، ويؤكد على عدم وجود آلية واضحة لصرف مستحقات الخدمة.
التحليل: إن التجاهل المتكرر للشركة وتحميلها “أعباء تشغيلية باهظة” (المازوت، صيانة الآليات، الأجور) هو في الحقيقة دليل على التفكك الإداري الذي يضع الصحة العامة والنظافة كأولوية ثانوية أمام البيروقراطية.
الأعباء المادية التي تحدثت عنها الشركة هي جزء بسيط من التكلفة الحقيقية التي يدفعها اتحاد الفيحاء اليوم:
ضرورة الحوكمة لخدمة “الشمال الأخضر”
إذا كانت طرابلس تطمح للتحول إلى نموذج بيئي واقتصادي (كما ناقشنا في مقالات سابقة)، يجب أن يبدأ التغيير من الإدارة المحلية:
- من الإدارة إلى الحوكمة: يجب أن تتحول البلديات من مجرد جهات “تنفذ العقود” إلى “جهات تخطط للمستقبل”. يتطلب هذا تحديداً واضحاً لآلية الفرز من المصدر والاستثمار في حلول مستدامة بدلاً من مجرد كنس النفايات وتجميعها.
- الشفافية والمساءلة: لا يكفي أن تعلن “لافاجيت” اعتذارها؛ يجب على الجهات المعنية في اتحاد البلديات أن تصدر بياناً واضحاً يحدد جدولاً زمنياً دقيقاً لحسم الملف، سواء بالتمديد أو إجراء المناقصة. إن أزمة النفايات في اتحاد الفيحاء ليست قضية تقنية، بل هي أزمة حوكمة وإدارة. لا يمكن بناء مستقبل اقتصادي أخضر وذكّي في الشمال ما لم يتم حل المشاكل الإدارية الأساسية التي تضمن استمرارية الخدمات. التنمية تبدأ من الشوارع النظيفة والإدارة المسؤولة.





