السرطان في لبنان: أرقام مقلقة تضع البلاد في صدارة الارتفاع العالمي

السرطان في لبنان: أرقام مقلقة تضع البلاد في صدارة الارتفاع العالمي

تشير تقارير علمية دولية حديثة، أبرزها الصادرة عن مجلة The Lancet في أكتوبر 2025، إلى أن لبنان يسجل أعلى نسبة زيادة في معدلات الإصابة والوفيات بالسرطان في العالم بين عامي 1990 و2023، في وقتٍ تتوقع فيه الدراسات أن يشهد العالم بحلول عام 2050 قفزة هائلة في عدد الإصابات لتصل إلى أكثر من 30 مليون حالة سنوياً، مع أكثر من 18 مليون وفاة.

التزايد العالمي للمرض

توضح بيانات مشروع “العبء العالمي للأمراض” أن حالات السرطان ارتفعت من 18.5 مليون إصابة جديدة في عام 2023 إلى توقعات تبلغ نحو 30.5 مليون بحلول عام 2050، فيما سترتفع الوفيات من 10.4 ملايين إلى قرابة 18.6 مليون وفاة سنوياً. ورغم هذا الارتفاع الكبير في الأرقام المطلقة، فإن المعدلات المعيارية حسب العمر تظهر استقراراً نسبياً أو انخفاضاً طفيفاً، ما يعني أن تضخّم عدد السكان وشيخوختهم هو المحرك الأساسي لهذه الزيادة، لا ارتفاع خطر المرض نفسه.

تفاوت عالمي صارخ

انخفضت المعدلات المعيارية للوفيات بالسرطان عالمياً بنسبة 24 في المئة بين عامي 1990 و2023، إلا أن هذا التحسن تحقق بشكل شبه حصري في الدول الغنية. أما في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، فقد ارتفعت معدلات الإصابة المعدّلة بحسب العمر بنحو 25 إلى 30 في المئة خلال الفترة نفسها. وتُظهر التقديرات أن أكثر من ثلثي وفيات السرطان بحلول منتصف القرن الحالي ستقع في هذه البلدان التي تفتقر إلى بنى تحتية صحية قوية.

لبنان في الصدارة السلبية

بين عامي 1990 و2023، احتل لبنان المرتبة الأولى عالمياً في ارتفاع معدلات الإصابة والوفيات المعيارية بالسرطان. وتشير التقارير إلى أن الأسباب متعددة ومترابطة: تفاقم التلوث البيئي الناتج عن المولدات الخاصة وعوادم السيارات وحرق النفايات، الانتشار الواسع للتدخين، استخدام المبيدات الزراعية والمواد الكيميائية بشكل عشوائي، وتلوث المياه. إلى جانب ذلك، تعاني البلاد من ضعف برامج الكشف المبكر وغياب سياسات وقائية وطنية فعالة، فضلاً عن الأزمة الاقتصادية التي تحدّ من قدرة المرضى على تلقي العلاج المستمر.

العوامل المسببة والخطر الكامن

تشير الدراسات إلى أن نحو 42 في المئة من وفيات السرطان حول العالم تعود إلى عوامل يمكن الوقاية منها، أبرزها التدخين، الأنظمة الغذائية غير الصحية، السمنة، قلة النشاط البدني، تلوث الهواء والمياه، وتعاطي الكحول. في لبنان، تزداد خطورة هذه العوامل نتيجة غياب الرقابة البيئية وارتفاع نسب التدخين وتراجع الوعي الصحي.

الحاجة إلى استجابة وطنية

التقارير الدولية مجتمعة تحذر من أن استمرار هذا الاتجاه سيجعل من السرطان أحد أبرز أسباب الوفاة في لبنان خلال العقدين المقبلين. المطلوب وفق الخبراء هو خطة وطنية شاملة تركز على الوقاية أولاً: الحد من التلوث، مكافحة التدخين، تحسين جودة الهواء والمياه، وتفعيل برامج الفحص المبكر المجاني أو منخفض الكلفة. كما يُعدّ إنشاء سجل وطني دقيق للسرطان خطوة أساسية لرسم سياسات قائمة على بيانات موثوقة.

خلاصة

السرطان لم يعد تحدياً طبياً فحسب، بل قضية بيئية ومجتمعية متشابكة. والتقاعس عن مواجهة أسبابه في لبنان يعني استمرار صعود المنحنى نحو أزمة صحية صامتة. وحده الاستثمار في الوقاية والبيئة والوعي يمكن أن يغيّر المسار قبل أن تصبح الأرقام الحالية واقعاً أكثر قسوة.