في قاعات الانتظار الباردة أمام السجون، وعلى مفترقات الطرق حيث تقام الاعتصامات، تعلو هتافات الأمل واليأس معاً: “عفو عام!”. إنها الصرخة التي تدفعها آلاف العائلات اللبنانية التي أنهكها الانتظار، والتي ترفع مطالبها اليوم إلى قصر بعبدا والى مجلس النواب، مطالبة الرئيس جوزاف عون ورئيس المجلس نبيه بري بأن يكونا معاً قادة قرار إنساني ينهي معاناة آلاف الأسر.
لم يعد الأهالي ينتظرون خلف الأبواب المغلقة. لقد خرجوا إلى الشوارع بتنظيم اعتصامات سلمية هي الأولى من نوعها، معلنين بدء حراك شعبي متجذر، يسعى لتشكيل “لجان شعبية” من كل المناطق والطوائف، هدفها واحد: الضغط على الدولة للإسراع في إقرار قانون العفو العام و”تبييض السجون”.
ثنائية القرار: بين بعبدا وعين التينة
في عين الأهالي، تقع الآمال على عاتق ركني العملية التشريعية:
الرئيس جوزاف عون: بصفته الحاكم الأعلى للدولة، يملك سلطة إصدار العفو الخاص أو التوقيع على قانون العفو العام بعد إقراره من المجلس النيابي، ليدخل حيز التنفيذ. يُطالَب اليوم بأن تكون خطوته في القصر الرئاسي إنسانية بامتياز.
رئيس مجلس النواب نبيه بري: هنا يكمن قلب المعادلة التشريعية. فالدور الرئيسي لرئيس المجلس لا يقتصر على استقبال أهالي السجناء والاستماع إلى مطالبهم – وهو ما يفعله باستمرار – بل يتعدّاه إلى كونه حارس العملية التشريعية. فهو الذي يتحكم في جدول أعمال الجلسات، ويملك سلطة دفع مشروع القانون نحو الظهور على طاولة النقاش أو إبقائه رهين الأدراج. ضغط الأهالي يتجه نحوه لأنه “مفتاح” فتح باب النقاش العام تحت قبة البرلمان. أي قانون عفو، بغض النظر عن دعم الرئيس له، يحتاج إلى إرادة سياسية من رئيس المجلس لوضعه على المسار التشريعي السريع.
اللواء أشرف ريفي: الوزير السابق الذي يحمل راية القضية
في خضم هذه المعركة الإنسانية، يبرز اسم كالمنارة: النائب اللواء أشرف ريفي، وزير العدل السابق. لا يكتفي ريفي بدور المؤيد، بل يتحول إلى “المحامي الرئيسي” لهذا الملف. دوره يركز على كسر الجمود السياسي عبر الحوار المباشر مع الأقطاب، مستفيداً من خبرته في وزارة العدل لتقديم الرؤية التقنية التي توازن بين البعد الإنساني ومتطلبات العدالة.
العفو العام: هل هو حلال قانوني في لبنان؟
الجواب نعم. الدستور والتشريع اللبناني لا يحرمان العفو العام. فلبنان لديه سوابق، أشهرها قانون العفو العام لعام 1991. لكن الوحش الحقيقي يكمن في التفاصيل.
فالخلاف لا يدور حول “مبدأ العفو”، بل حول “حدوده”. الجميع يتفق على استثناء الجرائم الكبرى التي تمس أمن الدولة، ولكن رسم خريطة هذه الاستثناءات هو ساحة المعركة الحقيقية بين الأقطاب السياسية، وهي معركة تُحتّم بالضرورة دور رئيس المجلس كوسيط ومدير للحوار.
أكثر الملفات إشكالاً: سجناء قاتلوا الجيش اللبناني
هنا تقف الدولة أمام مفترق طرق حاد. فالسجناء المدانين بالاعتداء على الجيش اللبناني يمثلون النقطة الأكثر حساسية. الجيش هو رمز السيادة، والاعتداء عليه يعتبر في عرف الدولة جريمة لا تغتفر.
لكن أنصار العفو يقدمون منظوراً آخر يدعو إلى التمييز بين من خطط لهجمات إرهابية ممنهجة، وبين من وقع في ظروف فردية معقدة. يقترحون تشكيل لجان لمراجعة هذه القضايا فرداً فرداً، في عملية توازن بين هيبة الدولة وعدالتها من جهة، والرحمة وإعطاء فرصة ثانية من جهة أخرى.
الحراك الشعبي: من اليأس إلى الأمل المنظم
ما نشهده اليوم من تشكيل لجان شعبية واعتصامات سلمية هو تحول نوعي. هذا الحراك يهدف إلى خلق كتلة ضغط لا يمكن تجاهلها على كل من بعبدا وعين التينة معاً، وإرجاع السلطة للشعب في زمن انكفاء السياسة.
زيارة الوزير الشيباني: البُعد الإقليمي يدعم المطلب المحلي
أضافت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد بالشيباني إلى لبنان الأسبوع الماضي بُعداً إقليمياً جديداً على قضية العفو العام. فخلال لقاءاته الرسمية مع المسؤولين اللبنانيين، لم يقتصر النقاش على الملفات الثنائية التقليدية، بل تطرق بشكل مباشر إلى أوضاع السجناء السوريين في السجون اللبنانية، والذين يشكلون نسبة كبيرة من النزلاء. هذا الطرح الرسمي من جانب دمشق يضع ضغطاً إضافياً على الحكومة اللبنانية، حيث يحوّل القضية من مطلب داخلي بحت إلى مسألة ذات بعد إنساني ودبلوماسي. إن اهتمام السفارة السورية بمتابعة ملف سجانيها يعني أن أي قانون عفو عام مقبل لن يستطيع تجاوز هذه الشريحة، مما يزيد من إلحاحية البحث في حلول شاملة ويمنح المطالبين بالعفو حجة دبلوماسية قوية في حواراتهم مع الدولة.
زيارة وزير الداخلية أحمد الحجار لدار الفتوى في طرابلس بحضور النائب أشرف ريفي: الشراكة بين الدولة والمرجعية الدينية
في خطوة موازية ذات بعد اجتماعي وديني عميق، قام وزير الداخلية أحمد الحجار بزيارة مهمة إلى دار الفتوى في طرابلس أمس. هذه الزيارة تجاوزت طابع البروتوكول الرسمي، حيث مثلت منصة لتنسيق المواقف والجهود بين مؤسسة الدولة الرسمية وأعلى مرجعية دينية سنية في الشمال. من خلال استماعه لرأي المفتي الشيخ محمد الإمام ومشورته، يبعث الوزير الحجار برسالة واضحة بأن الحكومة تدرك الحساسية الدينية والاجتماعية للقضية، وتسعى إلى بناء توافق مجتمعي واسع حولها. دور دار الفتوى لا يقتصر على الإفتاء الشرعي فحسب، بل يمثل وزنًا moral وسلطة كلامية مؤثرة في الرأي العام. مشاركتها الإيجابية في الحوار يمكن أن تلعب دوراً محورياً في تهدئة المخاوف وبناء مناخ من الثقة حول قانون العفو، مما يسهل عملية قبوله اجتماعياً وسياسياً لاحقاً.
مثلث الضغط.. أهالٍ ورئيسان
قضية العفو العام لم تعد ثنائية بين الأهالي والرئيس عون فقط، بل أصبحت ثلاثية الأضلاع: أهالٍ يضغطون في الشارع، رئيس جمهورية يمكن أن يمنح التوقيع، ورئيس مجلس نواب يملك مفاتيح الباب التشريعي. النجاح في إقرار هذا القانون لن يكون مجرد نصر قانوني، بل سيكون إعلاناً بأن شعلة الإنسانية في لبنان لا تزال متقدة، وقادرة على إنارة حتى أكثر زوايا الوطن ظلمة، ولكن فقط إذا التقت إرادة القصر بإرادة المجلس.



