من النداء إلى الفعل… حملة وطنية لحماية المرضى والعاجزين

من النداء إلى الفعل… حملة وطنية لحماية المرضى والعاجزين

الحلقة الخامسة والأخيرة

بدأت هذه السلسلة من سؤال إنساني محدد: ماذا يحدث حين يحتاج مريض إلى رعاية مستمرة، وتعجز أسرته عن دفع كلفتها، وتجد المؤسسة التي تؤويه نفسها أمام مستحقات متراكمة؟ لكن السؤال يتجاوز حالة واحدة، ويقود إلى مسؤولية أوسع: كيف نمنع أن يصبح العجز المالي سببًا في انقطاع العلاج أو فقدان الرعاية، وكيف نحول التعاطف إلى خطوات قابلة للقياس؟

لا يكفي أن ننشر قصة مؤثرة، ثم ننتظر أن يتكفل أحدهم بحلها. ولا يكفي أن نطالب الدولة وحدها بحل فوري، فيما تحتاج بعض الحالات إلى تدخل عاجل لا يحتمل انتظار التشريع والموازنات. المطلوب مسارات متوازية، يكمّل بعضها بعضًا: رعاية عاجلة للحالات التي لا تحتمل التأخير، ومناصرة تشريعية ورقابية، وتضامن منظم يحترم كرامة المستفيدين وحقوقهم.

المسار الأول: الرعاية العاجلة

تدعو جمعية عينا المدينة اللبنانية إلى بناء آلية واضحة لاستقبال الحالات الإنسانية والصحية التي تواجه خطر انقطاع العلاج أو فقدان الرعاية، والتحقق من حاجتها، وتقدير كلفتها، ثم إحالتها إلى الجهات القادرة على المساعدة.

ولا يعني ذلك أن الجمعية تستطيع وحدها تأمين العلاج أو استقبال كل الحالات. فالمطلوب شبكة تعاون مع المؤسسات الرعائية والصحية والجمعيات الخيرية وصناديق الزكاة والأوقاف وأهل الخير، بحسب اختصاص كل جهة وإمكاناتها.

يمكن أن تبدأ المساعدة بتسوية مستحقات متراكمة، أو تغطية دواء لفترة محددة، أو المساهمة في كلفة إقامة مريض في مؤسسة رعاية، أو دعم أسرة تواجه حاجة طبية طارئة. لكن كل حالة تحتاج إلى تحقق من الحاجة، ومستندات مناسبة، وتحديد الجهة التي ستتلقى المساعدة وكيفية توثيق الصرف.

وفي حالات المرضى النفسيين المقيمين، يجب ألا تُختزل المسألة في دفع فاتورة فقط؛ إذ ينبغي تقييم الحاجة الطبية إلى استمرار الإقامة، والبدائل الآمنة المتاحة، ومخاطر نقل المريض من دون خطة رعاية مناسبة.

كما ينبغي حماية بيانات المرضى، وعدم تحويل معاناتهم إلى مادة إعلامية أو نشر صورهم وملفاتهم الطبية من دون موافقة مناسبة. فالمساعدة التي تصون الحياة يجب أن تصون الكرامة أيضًا.

المسار الثاني: المناصرة والمساءلة

لا يمكن أن تبقى حماية المرضى رهينة قدرة الأسر على طلب المساعدة، أو استعداد المتبرعين للاستجابة في كل مرة. لذلك، ستعمل الجمعية على إعداد مذكرة إلى نواب طرابلس والشمال، وإلى لجنة الصحة النيابية، تتضمن المطالب التي طرحتها السلسلة: مراجعة التغطية الصحية للحالات التي كانت تستفيد من التغطية الكاملة قبل الأزمة، ووضع آلية تمويل للحالات الصحية الحرجة، وحماية استمرارية العلاج والرعاية، ونشر البيانات المتعلقة بالتمويل والنتائج.

كما ندعو إلى مراجعة مسودة المقترح التشريعي مع مختصين قانونيين وماليين وطبيين، وتحديد كلفة تطبيقها ومصادر تمويلها والجهات المسؤولة عن تنفيذها والرقابة عليها. وبعد ذلك، نطلب من نائب أو أكثر تبنّيها وتقديمها وفق الأصول، بدل تقديمها للرأي العام كما لو أنها أصبحت اقتراح قانون نافذًا.

وتشمل المناصرة أيضًا مطالبة الجهات الرسمية والمانحين بنشر قيمة المساعدات الصحية المعلنة والمقبوضة والمصروفة كلٌّ على حدة، وبيان ما خُصص للصحة النفسية والسرطان وغسيل الكلى والرعاية الطويلة الأمد، مع تفسير الفجوات في التغطية وإتاحة تقارير التدقيق.

إننا لا نفترض وجود مخالفة لمجرد وجود حاجة غير مغطاة، ولا نتهم جهة من دون دليل. لكننا نعتبر نشر المعلومات وتفسير القرارات حقًا عامًا، وأداة ضرورية لمعرفة ما تحقق وما يحتاج إلى تصحيح.

المسار الثالث: التضامن المنظم

تدعو الجمعية أصحاب الأموال في لبنان والمهجر، والمؤسسات الخيرية وصناديق الزكاة والأوقاف، إلى استكشاف آليات كفالة محددة وواضحة. ويمكن أن تكون الكفالة شهرية لمريض يحتاج إلى إقامة مستمرة، أو تغطية دواء موصوف، أو المساهمة في علاج محدد، أو دعم مؤسسة رعائية بعد التحقق من حاجتها.

ويجب أن يعرف المساهم ما الذي سيموله، والجهة التي ستتلقى المال، وكيف سيُوثّق الصرف. كما يجب نشر تقارير مجمّعة عن النتائج من دون كشف أسماء المرضى أو بياناتهم الطبية والشخصية.

وتسعى الجمعية كذلك إلى ربط الحالات التي يجري التحقق منها بشبكات المغتربين اللبنانيين وأصحاب الخبرات والموارد الراغبين في مساندة المجتمع. وهذا مسار نعمل على تطويره بالتعاون مع الجهات المستعدة للمشاركة، وليس إعلانًا عن شراكة أو تمويل لم يُتفق عليه بعد.

من استمارة 2021 إلى متابعة 2026

تملك الجمعية تجربة سابقة في توثيق الاحتياجات عبر «الاستمارة الموحدة»، التي أُطلقت بين كانون الأول 2020 وأيلول 2021. وقد أظهرت بياناتها التاريخية 248 ألف طلب صالح، تعود إلى نحو 181 ألف أسرة تضم أكثر من 833 ألف شخص، بينهم أكثر من 232 ألف طفل.

وفي تلك البيانات، كانت 42.1% من الأسر المسجلة بلا مصدر دخل، وبلغت نسبة الأسر التي تسكن بالإيجار 52%. كما ضمّت 33,682 أسرة شخصًا ذا إعاقة، و61,150 أسرة شخصًا تجاوز الستين، وطلبت 7,355 أسرة المساعدة في الدواء والاستشفاء.

هذه أرقام تاريخية لعام 2021، وليست وصفًا لواقع 2026. ولا نملك اليوم أساسًا كافيًا لنقول إن الحاجة تضاعفت أو أن النسب نفسها ما زالت قائمة. لكن الأزمات اللاحقة تثير مخاوف جدية من اتساع الحاجة وتعمّقها، وهو ما يجعل تحديث البيانات ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها.

لذلك، تعلن الجمعية العمل على إعداد «استمارة متابعة 2026»، تبدأ بعينة من الأسر التي يمكن التواصل معها، بعد موافقتها، للتحقق من أوضاعها الحالية ومقارنتها بما توفر من بيانات سابقة. وستتضمن أسئلة عن الدخل والسكن، والحاجة إلى الدواء والاستشفاء، ووجود مريض مزمن أو مريض سرطان أو مريض نفسي مقيم، وما إذا كان علاج ضروري قد توقف بسبب الكلفة.

ولا تهدف الاستمارة إلى جمع بيانات أكثر فحسب، بل إلى فهم ما تغيّر في حياة الأسر، وتحديد الحالات التي تحتاج إلى تدخل عاجل، وإنتاج مؤشرات مجمّعة تساعد على توجيه المساعدة وتقييم نتائجها. وستُراعى خصوصية المشاركين، ولن تُنشر أسماؤهم أو تفاصيلهم الشخصية ضمن التقارير العامة.

كيف نقيس نجاح الحملة؟

لن نقيس النجاح بعدد الإعجابات أو المشاركات على مواقع التواصل، بل بنتائج يمكن التحقق منها ونشرها دوريًا. ومن المؤشرات التي نقترح متابعتها:

  • عدد الحالات التي جرى التحقق منها، وعدد الحالات العاجلة التي تلقت مساعدة فعلية.
  • عدد الكفالات التي تحققت، وقيمة المساهمات التي وُثّقت، ونوع النفقات التي غطتها.
  • عدد النواب الذين تبنّوا المذكرة أو المسودة التشريعية، والخطوات الرسمية التي اتخذت بشأنها.
  • عدد البيانات الرسمية التي حصلت عليها الجمعية حول التمويل الصحي والتغطية والمساعدات.
  • عدد الأسر التي شاركت بموافقتها في استمارة المتابعة، ومدى اكتمال البيانات وإمكان مقارنتها بخط الأساس التاريخي.

ويجب نشر هذه النتائج مع تواريخها وتعريفاتها، والفصل بين التعهد بالمساعدة والمبلغ الذي وصل فعلًا، وبين الحالة التي أُحيلت إلى جهة ما والحالة التي تلقت العلاج أو التمويل بالفعل.

دعوة إلى المشاركة

ندعو الأسر التي تواجه حاجة صحية أو اجتماعية عاجلة، وأصحاب الأموال الراغبين في كفالة المرضى، والمؤسسات الخيرية والرعائية، والاختصاصيين القانونيين والطبيين، والنواب والجهات الرقابية، إلى التواصل مع الجمعية لبحث ما يمكن تنفيذه ضمن اختصاص كل طرف وإمكاناته.

الموقع: lb-cityeyes.org
البريد الإلكتروني: info@lb-cityeyes.org
الهاتف: 0096170197232

هذه السلسلة ليست نهاية الملف، بل بداية محاولة لتحويل المعاناة الموثقة إلى عمل منظم: مساعدة عاجلة حيث يمكن، ومناصرة حيث يلزم، وشفافية في التمويل، وبيانات حديثة تساعد على فهم الحاجة وتقييم النتائج.

لا تستطيع جمعية واحدة حل أزمة وطنية بمفردها، ولا يستطيع متبرع واحد تحمّل كلفة كل الحالات، ولا يمكن للتشريع وحده أن يعالج كل طارئ فورًا. لكن التعاون بين الدولة والمؤسسات الرعائية والجمعيات وأهل الخير والمغتربين يمكن أن يفتح طريقًا أكثر انتظامًا لحماية المرضى والأسر الأشد ضعفًا.

حين يُفلس الجميع، لا ينبغي أن يكون المريض هو من يدفع الثمن وحده. وحين نعرف حجم الحاجة، ونحدد المسؤوليات، ونوثّق المساعدة، ونتابع النتائج، يصبح التضامن أكثر من نداء؛ يصبح عملًا يمكن مساءلته وتطويره وقياس أثره.

أحمد خالد ستيتة
رئيس جمعية عينا المدينة اللبنانية
مدير تحرير منصة عشرة – 10lebanon.com


اكتشاف المزيد من عَشرة | منصّة عَشَرة للمحتوى الموزون

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

موضوعات ذات صلة