حين يُفلس الجميع… مَن يدفع ثمن المريض النفسي؟
حين يُفلس الجميع… مَن يدفع ثمن المريض النفسي؟
الحلقة الأولى
في أحد أقسام الأمراض العقلية والنفسية في طرابلس، يقيم مريض منذ سنوات. يحتاج إلى رعاية متخصصة ومستمرة، لا يستطيع الاستغناء عنها، ولا يملك أن يؤمّن تكاليفها بنفسه.
لا يعرف هذا المريض شيئًا عن انهيار العملة، ولا عن عجز الموازنات، ولا عن أزمات المحروقات وغلاء المعيشة. كل ما يألفه في حياته اليومية أن هناك مكانًا يأويه، ووجوهًا اعتادت رعايته، ونظامًا يوميًا يستند إليه.
لكن هذا المكان الذي صار جزءًا من حياته بات مهدّدًا. والسبب ليس أن حاجته إلى الرعاية انتهت، ولا أن حالته الصحية تسمح بالاستغناء عنها، بل أن كلفة إقامته تراكمت، وعجزت أسرته عن تسديدها.
من تغطية الدولة إلى عجز الأسر
كانت حالات من المرضى تستفيد من تغطية استشفائية كاملة على نفقة الدولة، عبر وزارة الصحة العامة، وفق الأنظمة المعمول بها آنذاك. ثم أدّت الأزمة المالية والانهيار الاقتصادي إلى تراجع قدرة الجهات الضامنة على تحمّل الأعباء، فانتقلت نسبة من التكاليف إلى المرضى وأسرهم.
وفي الحالة التي أتناولها، بدأ العبء بمبلغ شهري قدره 60 دولارًا، ثم ارتفع إلى 90 دولارًا، ثم إلى 100 دولار شهريًا، فضلًا عن بعض المصاريف الإضافية. ومع مرور الوقت، تراكمت المستحقات حتى قاربت ألفي دولار، وفق التقدير المتاح، فيما يعجز أفراد الأسرة عن تسديدها، منفردين أو مجتمعين.
ليست المسألة مجرد فاتورة متأخرة، بل سؤال عن مصير إنسان يحتاج إلى رعاية دائمة حين تصبح كلفة بقائه في المؤسسة أكبر من قدرة أسرته على الدفع.
عذر الجميع… والضحية واحدة
لا أكتب هذا المقال لأوزّع الاتهامات، ولا لأحمّل جهة واحدة مسؤولية أزمة تتداخل فيها عوامل كثيرة. أحاول أن أضع أمام الرأي العام حقيقة مؤلمة: قد يكون لكل طرف عذره، لكن المريض يبقى الأكثر عرضة لدفع الثمن.
الدولة اللبنانية تواجه أزمة مالية واقتصادية عميقة، وتراكمًا في الالتزامات العامة، وتراجعًا في قدرتها على تمويل الخدمات الأساسية. لكن عجز الدولة عن الإنفاق لا يلغي الحاجة إلى حلول تحمي المرضى الذين لا يستطيعون حماية أنفسهم.
ووزارة الصحة العامة تعمل ضمن إمكانات واعتمادات وقيود مالية. ومع ذلك، المطلوب أن تبقى الحالات الأكثر ضعفًا في صلب أولوياتها، وأن تبحث سبل استعادة التغطية أو تأمين بدائل مستدامة لها.
أما المؤسسات الاستشفائية والرعائية، فتواجه بدورها ارتفاع تكاليف الأدوية والطعام والمحروقات والكهرباء والأجور. وهي تحتاج إلى موارد تمكّنها من الاستمرار في تقديم الرعاية؛ فلا يمكن مطالبتها بتحمّل أعباء متزايدة إلى ما لا نهاية من دون تمويل كافٍ.
وفي المقابل، تعاني الأسر اللبنانية من انهيار القدرة الشرائية، وتراجع المداخيل، وارتفاع كلفة المعيشة. فالإيجارات ارتفعت مع موجات النزوح، وندرت البيوت المعروضة، حتى صار بعض الناس يستأجرون محلًا تجاريًا يأوي أسرهم بدل البيت. وصارت الإيجارات تُحسب بمئات الدولارات بعدما كانت بالعشرات.
وكهرباء الدولة لا تأتي في مناطق كثيرة إلا ساعتين أو ثلاثًا يوميًا، فيما تحوّل اشتراك المولّد إلى عبء إضافي. وقد حدّدت وزارة الطاقة والمياه تسعيرة الكيلوواط ساعة في المدن لشهر أيلول 2026 بـ52,840 ليرة، يضاف إليها الرسم الثابت. وبحسب تقديرات محلية تحتاج إلى توثيق بفواتير، قد تقترب كلفة اشتراك ثلاثة أمبيرات في طرابلس من 300 دولار شهريًا في بعض الحالات.
أما صفيحة البنزين سعة عشرين ليترًا، فقد بلغ سعر بنزين 95 أوكتان 2,739,000 ليرة في 20 تشرين الأول 2026، بعدما كانت قبل الأزمة بنحو 25 ألف ليرة. وتزيد اضطرابات أسواق الطاقة والملاحة الإقليمية من المخاوف من استمرار تقلّب الأسعار.
إيجارٌ وفواتير كهرباء وطعام ودواء وتنقّل… فكيف لأسرة تحمل هذا كله أن تدفع فوقه مئة دولار شهريًا عن مريضها؟
ماذا يعني تسليم المريض إلى ذويه؟
إن التلويح بتسليم مريض يحتاج إلى رعاية نفسية متخصصة إلى أسرته بسبب تراكم المستحقات يفتح بابًا خطيرًا من الأسئلة. هل يستطيع المنزل أن يؤمّن الرعاية الطبية والنفسية اللازمة؟ وهل تتوافر لدى الأسرة الإمكانات المادية والمعرفة والوقت والظروف المناسبة؟ وماذا يحدث إذا تعذّر تأمين الدواء أو المتابعة الطبية أو البيئة الآمنة التي تتطلبها الحالة؟
إن نقل المريض من المؤسسة ليس إجراءً إداريًا بسيطًا إذا كانت حالته تستدعي استمرار الرعاية. فقد يؤدي الانقطاع غير المدروس إلى تدهور حالته، ويضع الأسرة أمام أعباء لا تستطيع تحمّلها، ويعرّض المريض لمخاطر كان بالإمكان تجنّبها بالتنسيق بين الجهات المعنية.
لذلك، لا ينبغي أن يكون الحل في نقل الأزمة من حساب المؤسسة إلى منزل الأسرة، بل في آلية تضمن استمرار الرعاية، وتتيح تسوية المستحقات، وتوزّع المسؤولية بين الدولة والمؤسسات والأسر والجهات القادرة على المساعدة. ولا يعني ذلك إعفاء أي طرف من التزاماته القانونية أو المالية، بل منع تحوّل الخلاف المالي إلى تهديد لاستمرار الرعاية الضرورية.
ماذا نطلب؟
أولًا، من وزارة الصحة العامة: مراجعة واقع تغطية المرضى النفسيين والعقليين المقيمين، والعمل على استعادة التغطية الكاملة حيث كانت مقررة، أو توفير آلية تمويل بديلة تضمن استمرار الرعاية للحالات الأشد ضعفًا.
ثانيًا، من نواب طرابلس والشمال: وضع الملف أمام لجنة الصحة النيابية والجهات الحكومية المعنية، والعمل على مبادرة تشريعية تحمي الفئات التي فقدت التغطية الصحية الكاملة أو صارت عاجزة عن تأمين العلاج.
ثالثًا، من المؤسسات الرعائية: البحث في تسويات عادلة للمستحقات المتراكمة، والتريّث في نقل أي مريض يحتاج إلى رعاية مستمرة ريثما تُدرس البدائل الطبية والاجتماعية والمالية المناسبة.
رابعًا، من صناديق الزكاة والأوقاف والجمعيات الخيرية وأهل الخير في لبنان والمهجر: دراسة إنشاء برنامج شفاف لكفالة المرضى، يوزّع الأعباء على عدد من المتبرعين بدل تحميل أسرة واحدة كلفة لا تستطيع تحمّلها.
خامسًا، من الجهات الدولية والمانحين: دعم برامج الصحة النفسية والرعاية الطويلة الأمد، ونشر المعلومات عن المساعدات المخصصة لهذه الفئات وسبل وصولها إلى المستفيدين.
من الحاجة إلى البيانات: تجربة «الاستمارة الموحدة»
خلال جائحة كورونا، أطلقت جمعية عينا المدينة اللبنانية «الاستمارة الموحدة» لتلقّي طلبات المساعدة من الأسر المحتاجة في لبنان. وبين كانون الأول 2020 وأيلول 2021، ضمّ الجدول أكثر من 512 ألف خانة طلب، اختُزلت بعد المعالجة والتدقيق إلى 248 ألف طلب صالح، تعود إلى نحو 181 ألف أسرة تضم أكثر من 833 ألف شخص، بينهم أكثر من 232 ألف طفل دون الثامنة عشرة.
وأظهرت البيانات أن 42.1% من الأسر المسجلة لم يكن لديها أي مصدر دخل، وأن 52% كانت تسكن بالإيجار. وطلبت قرابة 40 ألف أسرة المساعدة في دفع الإيجار، فيما سُجّلت 12,235 أسرة تسكن مع آخرين، و1,066 أسرة بلا مأوى.
كما ضمّت 33,682 أسرة شخصًا ذا إعاقة، و61,150 أسرة شخصًا تجاوز الستين، وطلبت 7,355 أسرة المساعدة في الدواء والاستشفاء.
وجاءت الطلبات من مختلف المحافظات: الشمال 43,814 أسرة، وبيروت 41,018، وجبل لبنان 31,087، وعكار 20,703، والجنوب 17,510، والبقاع 12,452، والنبطية 5,713، وبعلبك الهرمل 5,149.
وفي طرابلس وجوارها، سُجّلت 23,026 أسرة في مدينة طرابلس، منها 3,401 في باب التبانة، و2,933 في البداوي، و2,000 في الميناء، و738 في المنكوبين، و347 في القلمون.
هذه أرقام عام 2021، وليست إحصاءً لواقع اليوم. لكنها تشكّل خط أساس تاريخيًا يمكن البناء عليه. وتعمل الجمعية على إعداد استمارة متابعة لعام 2026 لمعرفة ما طرأ على أوضاع الأسر نفسها، بموافقتها، وتحديد الحالات التي تحتاج إلى تدخل عاجل.
وندعو أصحاب الأموال في لبنان والمهجر الراغبين في كفالة مريض أو تغطية إقامته أو دوائه إلى التواصل مع الجمعية. وستكون المساعدة، وفق الآلية التي يجري الاتفاق عليها مع كل مساهم، موثقة من حيث الحالة المستفيدة والمبلغ وأوجه الصرف، مع حماية خصوصية المرضى.
للتواصل:
الموقع: lb-cityeyes.org
البريد الإلكتروني: info@lb-cityeyes.org
الهاتف: 0096170197232
لنبدأ من المريض الذي لا صوت له
لا أطرح هذه القضية طلبًا للشفقة، ولا لأضع المؤسسة في مواجهة الأسرة أو الأسرة في مواجهة الدولة. أطرحها لأن استمرار الرعاية يجب ألّا يبقى رهينة قدرة الأسرة على تسديد فاتورة شهرية لا تستطيع تحمّلها.
إن تحضّر المجتمعات لا يُقاس فقط بما تنجزه في أوقات الرخاء، بل أيضًا بالطريقة التي تحمي بها أضعف أفرادها حين تضيق الموارد وتشتد الأزمات.
في الحلقة الثانية، سنناقش الفئات الصحية والاجتماعية الأكثر ضعفًا، وفجوات التغطية المتاحة، ونطرح مسودة مقترح تشريعي لإعادة التغطية الصحية للحالات التي كانت تستفيد منها قبل الأزمة، مع البحث عن مصادر تمويل عادلة ومستدامة.
لأن السؤال ليس مَن يستطيع دفع الفاتورة فحسب، بل مَن يتحمّل مسؤولية حماية المريض حين يعجز الجميع عن دفعها.
أحمد خالد ستيتة
رئيس جمعية عينا المدينة اللبنانية
مدير تحرير منصة عشرة – 10lebanon.com
اكتشاف المزيد من عَشرة | منصّة عَشَرة للمحتوى الموزون
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
