أزمة النفايات في لبنان بين غياب الإرادة السياسية والحلول العلمية: صحة الناس ليست صفقة
أزمة النفايات في لبنان بين غياب الإرادة السياسية والحلول العلمية: صحة الناس ليست صفقة
د. فيفي نصيف الكلّاب تدعو إلى اعتماد الفرز والتسميد اللامركزيين، وتفعيل الرقابة والمحاسبة، ووضع حدّ لنقل الأعباء البيئية من منطقة إلى أخرى
تتجدّد أزمة النفايات في لبنان كلما امتلأ مطمر، أو تعطّل معمل فرز، أو تراكمت النفايات في الشوارع، لتعود الأسئلة نفسها إلى الواجهة: هل يعجز لبنان عن إيجاد حلول علمية ومستدامة لإدارة نفاياته، أم أن المشكلة تكمن في غياب الإرادة السياسية والرقابة والمحاسبة؟
هذه الأسئلة كانت محور مقابلة مع الخبيرة البيئية في إدارة النفايات الصلبة الدكتورة فيفي نصيف الكلّاب، ضمن برنامج «إنجاز» الذي تقدّمه الإعلامية مايا بسام إبراهيم، حيث استعرضت مسار أزمة النفايات في لبنان منذ عام 1993، وتوقّفت عند الخيارات التقنية المطروحة، وتجارب معامل الفرز والمطامر، والأضرار البيئية والصحية للمقالع والكسارات، وصولاً إلى مجموعة من الإجراءات التي ترى أنها قادرة على وضع البلاد على طريق المعالجة المستدامة.
أزمة مستمرة منذ أكثر من ثلاثة عقود
ترى الكلّاب أن أزمة النفايات اللبنانية ليست وليدة اليوم، بل تعود جذورها إلى عقود مضت، وأن استمرارها لا يمكن تفسيره بنقص الخبرات العلمية أو غياب التقنيات المناسبة. فلبنان، بحسب طرحها، يمتلك الكفاءات والمعرفة اللازمة لإدارة هذا الملف، لكن المشكلة الأساسية تكمن في غياب القرار السياسي الذي يضع المصلحة العامة والصحة البيئية فوق المصالح الفئوية.
وفي هذا السياق، أعادت الكلّاب فتح النقاش حول خيار المحارق، مشيرة إلى أن التفكير باستيرادها بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي، في وقت كانت فيه دول أوروبية تعيد تقييم الاعتماد على الحرق بسبب مخاطره البيئية والصحية وشروط تشغيله الصارمة.
وحذّرت من أن اللجوء إلى حلول مركزية ضخمة قد يرتّب أعباء مالية كبيرة على الدولة، ولا سيما إذا ارتبط بشراء محارق بعقود مرتفعة الكلفة. وقدّرت خلال المقابلة أن صفقة لشراء أربع محارق قد تصل إلى نحو مليار دولار، متحدثة عن عمولات ومنافع سياسية محتملة تتجاوز 250 مليون دولار.
وتبقى هذه الأرقام والتقديرات منسوبة إلى صاحبتها، وتحتاج إلى تدقيق مستقل في العقود والكلفة الفعلية والجهات المستفيدة قبل اعتمادها بوصفها حقائق مالية مثبتة. غير أن جوهر النقاش يظل قائماً: هل ينبغي أن تُبنى سياسة النفايات على تقنيات مرتفعة الكلفة، أم على منظومة متكاملة تبدأ بتقليل النفايات وفرزها واسترداد مواردها؟
الفرز والتسميد والتدوير: البديل الذي يستحق الأولوية
تطرح الكلّاب مقاربة تقوم على معالجة النفايات بحسب مكوّناتها، بدلاً من التعامل معها باعتبارها كتلة واحدة ينبغي حرقها أو طمرها. وتستند هذه المقاربة إلى تقديرات لتركيبة النفايات في لبنان، تشير إلى أن الجزء الأكبر منها يتكوّن من مواد عضوية قابلة للتسميد، إلى جانب مواد يمكن إعادة تدويرها، ونسبة أخرى من المخلفات التي تحتاج إلى معالجة خاصة.
وبحسب الأرقام التي عرضتها في المقابلة، تتوزع النفايات على النحو الآتي:
- نحو 15 إلى 20 في المئة من المواد القابلة لإعادة التدوير، مثل البلاستيك والكرتون والزجاج.
- نحو 60 إلى 70 في المئة من المواد العضوية القابلة للتسميد، مع ارتفاع محتواها في بعض الفترات، ولا سيما خلال فصل الصيف.
- نحو 15 إلى 17 في المئة من المواد التي وصفتها بالخاملة أو التي تحتاج إلى معالجة مختلفة، مثل بعض الأقمشة والأحذية القديمة.
- نحو 3 إلى 5 في المئة من النفايات الخطرة، بما يشمل أنواعاً من المخلفات الطبية والإلكترونية والدهانات والأدوية المنتهية الصلاحية.
وهذه النسب تقديرات وردت في المقابلة، وليست بديلاً من مسح وطني حديث ومفصّل لتركيبة النفايات بحسب المناطق والفصول. كما أن التصنيف النهائي لكل مادة يجب أن يستند إلى خصائصها الفعلية؛ فبعض المخلفات لا يمكن اعتبارها خاملة أو استخدامها في الإنشاءات من دون فحوص ومعايير فنية وبيئية مناسبة.
وتكمن أهمية هذه المقاربة في أن فرز المواد العضوية وتحويلها إلى سماد، واسترداد المواد القابلة للتدوير، يقلّلان الكميات المتجهة إلى المطامر، ويتيحان الاستفادة من موارد كانت تُهدر، فضلاً عن إطالة عمر المطامر وخفض الأعباء التشغيلية والبيئية.
أما النفايات الخطرة، فتحتاج إلى مسار مستقل يبدأ بفرزها من المصدر، وجمعها ونقلها وتخزينها وفق ضوابط آمنة، ثم معالجتها في منشآت مرخّصة. ويمكن اللجوء إلى التصدير عندما تسمح القوانين والاتفاقيات الدولية بذلك، مع ضمان المعالجة الآمنة في الوجهة المعتمدة. وتطرّقت الكلّاب إلى كلفة قد تتراوح بين ألفي وخمسة آلاف دولار للطن الواحد من بعض هذه النفايات، معتبرة أن الوقاية والمعالجة السليمة أقل كلفة من ترك الملوثات تتسبب بأضرار صحية وبيئية باهظة.
لكن هذا الخيار يتطلب مقارنة علمية ومالية واضحة بين كلفة المعالجة والتصدير، وكلفة الأضرار المحتملة، مع عدم اختزال إدارة النفايات الخطرة في خيار واحد.
معامل الفرز والمطامر: حين تصنع الرقابة الفارق
تُظهر التجارب اللبنانية، وفق ما عرضته الكلّاب، أن نجاح المنشآت البيئية لا يتوقف على التمويل أو المعدات وحدهما، بل يرتبط أيضاً بالإدارة الجيدة والرقابة المستمرة والمحاسبة.
وتناولت تجربة معمل صيدا، الذي قالت إنه بدأ بصورة جيدة قبل أن تتراجع أوضاعه مع تغيّر الملكية والإدارة، مشيرة إلى ما وصفته بممارسات أضرّت بالبيئة البحرية، وإلى محاولات لاحقة لإعادة تشغيله على أساس الفرز.
كما قارنت بين معملي الهرمل والمنية، اللذين أشارت إلى إنشائهما بتمويل ومواصفات أوروبية. ووفق روايتها، حافظ معمل الهرمل على انتظام العمل بفضل الرقابة والمحاسبة، فيما تعرّض معمل المنية لتفكك معداته وفقدانها في ظل ضعف الرقابة.
وتبرز هذه المقارنة ضرورة إخضاع المنشآت المموّلة من المال العام أو الجهات المانحة لنظام واضح من التدقيق الفني والمالي، ونشر بيانات تشغيلها وكميات النفايات التي تستقبلها، ونسب الفرز والتدوير والتسميد فيها، والكميات التي تنتهي في المطامر، فضلاً عن إعلان نتائج التفتيش والمخالفات والإجراءات المتخذة بحق المسؤولين عنها.
وفي ملف مطمر الناعمة، أشارت الكلّاب إلى أن توسيع نطاق المناطق التي تستفيد منه، خلافاً لما كان مخصصاً له في البداية بحسب روايتها، ساهم في تسريع امتلائه، وأثار مشكلات تتصل بمعالجة عصارة النفايات وتوليد الكهرباء.
أما في ما يتصل بنقل النفايات من الكورة إلى سرار في عكار، فقد رفضت الكلّاب معالجة أزمة منطقة على حساب منطقة أخرى، معتبرة أن نقل المخلفات لمسافات طويلة لا يشكّل بحد ذاته حلاً مستداماً، إذا كان ينقل المخاطر والأعباء إلى مجتمعات محلية أخرى.
وهنا تبرز قاعدة أساسية في الإدارة البيئية: لا يجوز أن تتحول المناطق الأقل نفوذاً إلى وجهة دائمة للأعباء التي ترفضها المناطق الأكثر قدرة على الاعتراض. فاختيار مواقع المعالجة والطمر يجب أن يستند إلى معايير علمية وشفافة، وإلى تقييم الأثر البيئي والصحي، ومشاركة المجتمعات المعنية، لا إلى موازين القوى السياسية وحدها.
المقالع والكسارات: الثمن الصحي والمالي للتجاوزات
لم يقتصر النقاش على النفايات المنزلية، بل امتد إلى المقالع والكسارات، ولا سيما في منطقة الكورة، حيث تحدّثت الكلّاب عن معارك قضائية خاضتها لمواجهة ممارسات قالت إنها ألحقت أضراراً بالبيئة والصحة العامة.
وأشارت إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان في بعض قرى الطوق في الكورة إلى خمسة أضعاف المعدل الوطني، عازية ذلك إلى التلوث الناجم عن الكسارات وصناعة الإسمنت. وهذا ادعاء صحي بالغ الأهمية، يستوجب التحقق من خلال دراسات وبائية موثّقة، وبيانات رسمية عن معدلات الإصابة، وتحليل للعوامل البيئية والصحية الأخرى، قبل الجزم بوجود علاقة سببية محددة.
إن خطورة هذا الملف تستدعي ألا تبقى المخاوف الصحية في إطار الشهادات أو السجالات، بل أن تتحول إلى برنامج علمي مستقل يرصد جودة الهواء والمياه والتربة، ويقارن معدلات الأمراض بين المناطق، ويتيح نتائج القياسات والدراسات أمام المواطنين والباحثين.
وفي الجانب المالي والقانوني، تحدثت الكلّاب عن مستحقات ورسوم غير محصّلة على المقالع والكسارات قدّرتها بنحو 3.7 مليارات دولار، استناداً إلى ما أشارت إليه بشأن مسح للجيش اللبناني. كما انتقدت استمرار بعض التمديدات الإدارية والتشغيلية، رغم ما قالت إنه تعارض مع القوانين البيئية وأحكام مجلس شورى الدولة.
وتستوجب هذه الأرقام والمواقف مراجعة المستندات الرسمية ذات الصلة، وتحديد طبيعة المستحقات والفترة التي تعود إليها، والجهات الملزمة بتسديدها، وما تم تحصيله فعلياً. فحماية البيئة لا تنفصل عن تطبيق القانون وتحصيل حقوق الخزينة، ولا عن منع تحويل التراخيص المؤقتة إلى امتيازات دائمة خارج الضوابط القانونية.
من يختار مواقع المعالجة؟ العلم أولاً
شدّدت الكلّاب على ضرورة اعتماد معايير علمية واضحة عند تحديد مواقع معامل الفرز والتسميد والمطامر، تشمل المسافة عن التجمعات السكنية، وطبيعة التضاريس والتربة، والمياه الجوفية والمجاري المائية، واتجاه الرياح، وسائر العوامل التي تحدد مستوى المخاطر البيئية والصحية.
ولا تكتمل هذه المعايير من دون إشراك الخبراء والأهالي والبلديات المعنية في عملية الاختيار، ونشر الدراسات والتقارير التي تبرر اعتماد موقع دون آخر، وإتاحة الاعتراضات ومناقشتها بشفافية.
فالمجتمعات المحلية ليست مجرد جهات مطالبة باستقبال المنشآت، بل شريك أساسي في القرار البيئي. ومن حق السكان معرفة نوع المنشأة، وكميات النفايات التي ستستقبلها، وتقنيات المعالجة المعتمدة، ومصادر الانبعاثات المحتملة، وآليات الرقابة والتعويض والاستجابة للطوارئ.
كما أن العدالة البيئية تقتضي توزيع المسؤوليات والأعباء بصورة منصفة، ومنع تحميل منطقة بعينها كلفة استهلاك مناطق أخرى أو سوء إدارتها لنفاياتها.
ثلاث خطوات عاجلة لكسر الحلقة المفرغة
في ختام المقابلة، دعت الكلّاب إلى اتخاذ إجراءات عملية، بدلاً من انتظار انفجار أزمة جديدة ثم البحث عن حلول مؤقتة. ويمكن تلخيص أبرز مقترحاتها في ثلاثة مسارات مترابطة.
أولاً، اعتماد الفرز من المصدر وتطوير منظومة محلية للمعالجة، بحيث تتولى كل بلدية، أو مجموعة بلديات متعاونة، تنظيم جمع النفايات وفرزها ومعالجة الجزء الممكن محلياً، ضمن خطة متكاملة تراعي الجدوى الاقتصادية والمعايير البيئية. ولا يعني ذلك منع نقل كل النفايات بصورة مطلقة، بل الحد من النقل غير الضروري، وضمان أن يكون أي نقل بين المناطق منظماً ومبرراً وخاضعاً للرقابة.
ثانياً، تفعيل القانون رقم 80 الصادر عام 2018 بشأن الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، وتأمين التمويل اللازم للبلديات، بما في ذلك معالجة المستحقات المتأخرة من الصندوق البلدي المستقل وفق الأصول القانونية والمالية. فالبلديات لا تستطيع تنفيذ سياسات الفرز والتسميد والتدوير من دون موارد كافية، وخطط قابلة للتطبيق، وقدرات فنية وإدارية واضحة.
ثالثاً، إنشاء معامل لامركزية للفرز والتسميد والتدوير وفق دراسات جدوى شفافة، مع نشر العقود والكلفة ومصادر التمويل والنتائج التشغيلية، وإخضاعها لرقابة مستقلة. وينبغي أن يترافق ذلك مع خطة وطنية خاصة بالنفايات الخطرة، وخطط طوارئ للمناطق التي تواجه تراكمات حادة، ومؤشرات أداء تسمح للمواطنين بمحاسبة الجهات المسؤولة.
وفي مواجهة الجدل حول المحارق، اقترحت الكلّاب تنظيم مناظرة تلفزيونية علنية تجمع المؤيدين للتقنيات الحرارية والخبراء الداعين إلى الفرز والتسميد، كي يتمكن اللبنانيون من مقارنة البدائل على أساس علمي ومالي واضح، يشمل كلفة الإنشاء والتشغيل والصيانة، والأثر الصحي والبيئي، وإدارة الرماد والمخلفات، ومدى ملاءمة كل تقنية لتركيبة النفايات المحلية.
المحاسبة تبدأ من المواطن
في رسالتها الختامية، أعادت الكلّاب التأكيد أن معالجة أزمة النفايات ليست مسؤولية الخبراء والبلديات وحدهم، بل تتطلب قراراً سياسياً ومحاسبة عامة تبدأ من الناخب، مروراً بالمجالس البلدية والنيابية، وصولاً إلى الوزارات والإدارات الرقابية والقضائية.
وتبقى المساءلة عن القرارات البيئية، ومراقبة تنفيذ القوانين، وإتاحة المعلومات أمام الرأي العام، عناصر أساسية لحماية الحق في بيئة سليمة. كما أن اللجوء إلى القضاء والعدالة البيئية، محلياً ودولياً ضمن الأطر القانونية المتاحة، يتيح مساءلة الجهات التي تتسبب بأضرار بيئية أو تتقاعس عن واجباتها.
إن أزمة النفايات في لبنان ليست مجرد مشهد من الأكياس المتراكمة والروائح الكريهة والمطامر الممتلئة؛ إنها اختبار لقدرة الدولة على إدارة الموارد العامة، وحماية الصحة، وإنفاذ القانون، ومنع المصالح الضيقة من التحكم في القرارات التي تمس حياة الناس.
وإذا كان الفرز والتسميد والتدوير يقدّمون مساراً عملياً لتقليص النفايات والاستفادة من مواردها، فإن نجاح هذا المسار يظل مرهوناً بإدارة كفوءة، وتمويل عادل، ورقابة مستقلة، وشفافية كاملة، ومحاسبة لا تستثني أحداً.
فصحة المواطن ليست بنداً ثانوياً في الموازنة، والبيئة ليست مساحة لتصريف الأزمات، والنفايات ليست مبرراً لصفقات لا يعرف الناس كلفتها الحقيقية. المطلوب سياسة وطنية متكاملة تنقل لبنان من إدارة الأزمات المتكررة إلى إدارة مستدامة للنفايات، يكون معيار نجاحها مقدار ما تحميه من صحة الإنسان وموارد الطبيعة وحقوق الأجيال المقبلة.
المصدر: مقابلة الدكتورة فيفي نصيف الكلّاب، خبيرة البيئة وإدارة النفايات الصلبة، ضمن برنامج «إنجاز» تقديم مايا بسام إبراهيم.
رابط المقابلة: https://www.youtube.com/watch?v=Y_N8CTa8hNg

اكتشاف المزيد من عَشرة | منصّة عَشَرة للمحتوى الموزون
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
