“القيم الأوروبية” بين نقد سولوفيوف وميزان الحديد: من يملك الميزان الحقيقي؟

“القيم الأوروبية” بين نقد سولوفيوف وميزان الحديد: من يملك الميزان الحقيقي؟
(إعداد: أحمد ستيتة)


في لقاء تلفزيوني مثير، سأل المذيع الروسي فلاديمير سولوفيوف ضيفاً أوروبياً سؤالاً محرجاً: “ما هي القيم الأوروبية؟”

ثم أجاب بنفسه: “المثلية الجنسية، عبادة الشيطان، البيدوفيليا”. لم يتوقف عند هذا الحد، بل واصل سرد جرائم أوروبا التاريخية: الاستعمار، الإبادة الجماعية، نهب الدول والشعوب. ثم سأل: “في أي بلد يمكنك انتخاب قائدك بشكل مباشر؟”
كان سؤاله فخاً. فالجواب — حتى في أكثر الديمقراطيات — هو “لا أحد”. ثم انتقل سولوفيوف إلى “المنظور الروسي”، مُعيداً تعريف “الأوروبي” بمصطلحات ذات إيحاءات عنصرية، مُبرراً بذلك سياسات بلاده الحالية.

نقد النقد: حين يصبح الطبيب مريضاً
سولوفيوف هنا يمارس ما يُعرف بـ “تسوية الحسابات” لا “تقييم الحضارات”. يُصيب في تشخيص المرض الأوروبي: النفاق، استخدام “القيم” كأداة سلطة، نسيان تاريخ من الدم. لكنه يُصاب بالمرض ذاته حين ينكر جرائم بلاده ويُبرر الاحتلال باسم “التحرير”.

هذا هو مأزق العصر: كل طرف يملك “حقائق” عن الطرف الآخر، ولا أحد يملك ميزاناً يقيس به نفسه قبل غيره. الغرب يُنصّب نفسه حامياً للحقوق الإنسانية وهو يغض الطرف عن الظلم في فلسطين وغيرها. وروسيا تتحدث عن “العالم الروسي” وهي تمارس الاستعمار بثياب جديدة.

المنطلق الجديد: آية تضع دستوراً مختلفاً
في خضم هذا الصراع على “من يملك الحق”، تبرز آية من سورة الحديد كـ “مظلة كونية” تجمع العلوم وتضع دستوراً للإنسانية:

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾

هذه الآية ليست دعوة للمسلمين فحسب، بل دستور للإنسانية. فهي تضع خمسة عناصر متكاملة لإقامة العدالة:

أولاً: البينات — الوعي والبرهان. لا قرار بلا دليل، لا سياسة بلا شفافية. سولوفيوف يطرح “بينات” عن أوروبا، لكنه يخفي “بينات” عن روسيا.
ثانياً: الكتاب — المرجعية الثابتة. العقد الذي يلتزمه الجميع، لا تزوير للمبادئ من أجل مصالح عابرة. أوروبا تملك دساتير، لكنها تتجاوزها حين تتعارض مع مصالحها. وروسيا تملك دستوراً، لكنه ورقة بلا وزن.
ثالثاً: الميزان — القياس العادل. تجريد الأحكام من الأهواء، لا محسوبيات، لا طائفية. هذا هو ما ينقص العالم اليوم: ميزان يقيس الجميع بمعيار واحد.
رابعاً: القسط — العدالة المطلقة. توزيع عادل للثروة، ندية حضارية، رفض التبعية. ليس “عدالة” الغني مع الفقير، بل عدالة تُعيد بناء العقد الاجتماعي.
خامساً: الحديد — القوة المشروعة. بأس يحمي العدل لا يهدمه، منافع للناس لا لطبقة فاسدة. القوة بلا عدل ظلم، والعدل بلا قوة عجز.

الفرق الجوهري: الاختبار بالغيب
ما يميز هذا المنهاج أنه لا يُقدّس طرفاً على حساب آخر. بل أكثر من ذلك: الآية تختبر النوايا. ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾.

ليس “من يُصدّق” أو “من يُعلن”، بل من ينصر المبدأ حين لا يراه أحد، حين لا يضمن النصر، حين يكون العمل سراً بينه وبين ضميره.

هذا هو الفرق بين المناضل والمتسلق: المناضل ينصر المبدأ بالغيب، والمتسلق ينصر المنتصر.

التطبيق: لبنان كنموذج
في لبنان، حيث الطائفية هيكل لا فساداً عابراً، يصبح هذا المقترح — نعم، مقترح — أكثر إلحاحاً. لبنان لا يحتاج “ثورة” يراها الجميع، بل يحتاج “غيبيين”: أناس يعملون بالسر، يُصلحون بالليل، يثقون بأن الله قويٌّ عزيز.

المصفوفة التساعية المستنبطة من كلمة “قسط” (ق-س-ط) تُعطي هيكلاً عملياً:

ق: قانون، قوة، قيام

س: سياسة، سيادة، سلم

ط: طب (معالجة)، طيبة، طهر (تنقية من الفساد)
وهذا ليس تأويلاً شاملاً يدّعي الحصرية، بل استنباط مُتواضع يدعو للنقاش.

الخاتمة: من يملك الميزان؟
سولوفيوف سأل: “من يملك الميزان؟” والجواب — في الآية — أن الميزان ليس ملكاً لأوروبا ولا لروسيا. الميزان منزل من الله، والبشر مدعوون ليقوموا به لا ليملكوه.

فإذا كان كل طرف يكشف زيف الطرف الآخر، فلنبدأ بكشف زيف أنفسنا. ولننطلق — نخباً وشعوباً — من دستور لا يعرف الطائفة ولا العرق ولا الهوية المغلقة: دستور العدل للإنسانية.

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

هذا مقترح للنقاش. نرجو آراءكم.