إستيراد “الكلنكر”: الحل العلمي لإنقاذ الكورة والشمال بين فكّي الاحتكار وحجّة “قطع الأرزاق”
إستيراد “الكلنكر”: الحل العلمي لإنقاذ الكورة والشمال بين فكّي الاحتكار وحجّة “قطع الأرزاق”
(أحمد ستيتة – منصة عشرة – الإعلام البيئي)
تتردد في أروقة النقاشات البيئية والاقتصادية في لبنان معادلة مفخخة، لطالما استخدمتها شركات الترابة كدرع بشري بوجه أي مسعى إصلاحي أو بيئي: “إما القبول بالدخان والسموم، وإما قطع أرزاق العمال وتشريد عائلاتهم”.
لكن التدقيق العلمي والواقعي في جغرافيا هذه الصناعة يكشف زيف هذا التخيير القسري، ويضع أمام الرأي العام والقضاء حلاً جذرياً، عادلاً، وممكناً يضمن حماية البشر والشجر، وفي الوقت نفسه، يحافظ على ديمومة العمل.
جوهر الحل: إطفاء الأفران المسرطنة واستيراد “الكلنكر”
المشكلة الكبرى والجريمة البيئية المشهودة في صناعة الإسمنت لا تكمن في خطوط الطحن أو التعبئة والتوزيع، بل تتركز بالكامل في مرحلة أولى وأساسية هي إنتاج مادة “الكلنكر” (Clinker).
إن إنتاج هذه المادة محلياً هو الجحيم بعينه الذي يعيشه أهالي الكورة والشمال، وذلك لسببين:
تدمير الجبال والمقالع: تتطلب هذه المرحلة جرف مساحات هائلة وتفجير الصخور الكلسية، مما يقضي على الغطاء الأخضر ويهدد المياه الجوفية (كمياه الجرادي) بشكل مباشر.
وقود عالي السمية: تُحرق هذه الصخور داخل أفران ضخمة تحت درجات حرارة هائلة تصل إلى 1450 درجة مئوية، ويعتمد التشغيل على الفحم الحجري والبترولي بنسبة كبريت مرتفعة تصل إلى 6%، مما ينفث ليلاً نهاراً غباراً مجهرياً وغازات مسرطنة ممتدة فوق البيوت والقرى المأهولة.
من هنا، يبرز الحل العلمي والصائب:
إطفاء هذه الأفران نهائياً، ووقف أعمال المقالع، والاستعاضة عنها باستيراد مادة “الكلنكر” جاهزة عبر المرافئ اللبنانية برسوم مخفضة.
تفكيك البروباغندا: لماذا لا يقطع هذا الحل أرزاق العمال؟
الزعم بأن وقف الأفران يعني تشريد آلاف العائلات هو تضخيم مضلل تستخدمه الشركات لحماية أرباحها. من الناحية التقنية والصناعية، المعامل لن تقفل أبوابها، بل سيتحول نموذج عملها إلى “مراكز طحن، خلط، وتعبئة للكلنكر المستورد”.
هذا التحول يضمن بقاء الكتلة البشرية الأكبر من الموظفين في وظائفهم:
خطوط الطحن والتعبئة والتغليف: ستبقى هذه الأقسام العملاقة تعمل بكامل طاقتها لاستقبال الكلنكر وتحويله إلى منتج نهائي.
المختبرات ومراقبة الجودة: يستمر الفنيون والمهندسون في عملهم لضمان مطابقة الإسمنت للمواصفات.
الجهاز الإداري والمالي: أقسام المحاسبة، المبيعات، التسويق، والإدارة العامة لن تتأثر إطلاقاً.
أسطول النقل واللوجستيات: سيبقى آلاف السائقين ومتعهدي النقل شغالين لتوزيع الإسمنت في الأسواق اللبنانية.
أما الأقسام الملوثة التي ستتوقف (الأفران والمقالع)، فهي تعتمد في الأساس على الأتمتة والآليات الثقيلة، ويمثل عمالها النسبة الأقل عدداً. وتستطيع الشركات، من خلال الأرباح الخيالية التي راكمتها عبر العقود، إعادة تأهيل هؤلاء العمال ونقلهم إلى أقسام الصيانة، الدعم اللوجستي، وإدارة مخازن المواد المستوردة، دون الحاجة لصرفهم.
المعادلة الحقيقية: بين قطع الأرزاق وقطع الأعناق
الخوف على رزق العامل محق ومقدس، لكن الواقع يؤكد أن الوضع الحالي لا يقطع الأرزاق فحسب، بل يقطع الأعناق والعمر معاً:
- الفاتورة الصحية الكارثية: المبالغ الطائلة التي تدفعها عائلات الشمال على المستشفيات وأدوية السرطان والأمراض الصدرية والعصبية الناتجة عن السموم، تستنزف كل مدخراتهم وأرزاقهم. الرزق الذي يذهب لعلاج الأمراض المفتعلة بطل اسمه رزقاً.
- تدمير القطاعات المستدامة: الغبار المجهري الكثيف المحمل بالمعادن الثقيلة (كالمركب الكروم والزئبق) قضى على مساحات شاسعة من زراعة الزيتون التاريخية في الكورة، وهي القطاع التقليدي الذي يعيل آلاف العائلات منذ مئات السنين، فضلاً عن القضاء على أي فرصة للسياحة البيئية في المنطقة.
خاتمة: كسر الاحتكار بالقرار السياسي والجريء
إن هذا الحل (استيراد الكلنكر لخلطه وطحنه محلياً) يضرب عصفورين بحجر واحد: يوقف المجزرة البيئية والصحية فوراً في الكورة والشمال، ويخفض أسعار الإسمنت في السوق عبر كسر احتكار الشركات الكبرى التي تفرض أسعاراً تفوق السعر العالمي مستفيدة من الحماية الجمركية الإدارية.
العقبة اليوم ليست في الإمكانية التقنية ولا في الخوف على العمال، بل في غياب القرار السياسي الجريء الذي يقدم حياة المواطنين وصحتهم على الأرباح الاحتكارية للشركات. إن الكرة اليوم هي في ملعب القضاء اللبناني والسلطات التنفيذية للتحرك وحسم هذه المواجهة لصالح الإنسان والطبيعة.
اكتشاف المزيد من عَشرة | منصّة عَشَرة للمحتوى الموزون
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
