الدستور اللبناني في الميزان (1)

الدستور اللبناني في الميزان (1)

أين الخلل؟ في النص، أم في القوانين، أم في التفسير، أم في التطبيق؟

بقلم: أحمد خالد ستيتة

يبلغ الدستور اللبناني مئويته عام 2026، بعد قرن على صدوره في 23 أيار 1926. وفي هذه المناسبة، يتجدد النقاش حول سؤال جوهري: هل يحتاج لبنان إلى دستور جديد، أم أن أزمته تكمن في تعطيل الدستور القائم وعدم تطبيقه؟

أمامنا رأيان أساسيان.

رأي يرى أن الخلل يكمن في الدستور نفسه، في بنيته وصياغته والأسس التي قام عليها، وأن الإصلاح الحقيقي يستدعي وضع دستور جديد.

ورأي يرى أن الدستور يتضمن من المبادئ والضمانات ما يكفي لبناء دولة سليمة، وأن المشكلة تكمن في السلطات التي عطّلت أحكامه، ولم تنفّذ ما يوجبه أو تستكمل ما أحال إليه من قوانين ومؤسسات.

ولكل من الرأيين أصحاب جادّون وحجج تستحق أن تُسمع وتُفحص. لكن النقاش بينهما يدور كثيرًا في دائرة مغلقة، لأنه يقفز إلى الإجابة قبل أن يحدد موضع المشكلة.

فإذا كان السؤال: هل نغيّر الدستور أم نطبّقه؟ فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبقه هو:

أين يقع الخلل بالتحديد؟ وهل هو واحد في جميع المسائل الدستورية، أم يختلف من مادة إلى أخرى، ومن مؤسسة إلى أخرى؟

هذا هو السؤال الذي ينطلق منه مشروع «الميزان الحضاري» في سلسلة «الدستور اللبناني في الميزان».

أربعة مواضع محتملة للخلل

حين تتعطّل مؤسسة دستورية، أو يتعثر حق من الحقوق، أو تتكرر أزمة سياسية، لا يجوز أن نفترض مسبقًا أن السبب واحد. فقد يكون الخلل في النص الدستوري نفسه، أو في القوانين التي تفصّله، أو في تفسير أحكامه، أو في تطبيقها. وقد تجتمع هذه الأسباب وتتفاعل في المسألة الواحدة.

أولًا: الخلل في النص الدستوري

قد يسكت الدستور عن مسألة جوهرية، أو يصوغ حكمًا بصورة لا تحدد المسؤولية عنه بما يكفي، أو يترك إجراءً أساسيًا من دون مهلة واضحة أو آلية لمعالجة الإخلال به.

ولا يعني ذلك أن كل مسألة لم يذكرها الدستور تمثل نقصًا فيه؛ فالدساتير لا تتولى تنظيم جميع التفاصيل. لكن السكوت يصبح موضع فحص حين يتعلق بحق أساسي، أو باستمرار عمل مؤسسة دستورية، أو بمنع تعطيل السلطة، أو بضمان المساءلة.

لذلك لا يكفي أن نسأل: ماذا كتب واضعو الدستور؟ بل علينا أن نسأل أيضًا: ما الذي سكت عنه؟ وما الذي تركه للقانون؟ وما الذي لم يحدد له آلية واضحة للتنفيذ أو المعالجة؟

كذلك ينبغي التمييز بين النقص في الصياغة والغموض في النص. فقد يكون الغموض غير مقصود، وقد يكون نتيجة تسوية سياسية أو ترك مساحة للتوافق. ولا يصح وصفه بأنه مقصود أو معيب قبل فحص النص وسياقه والأدلة المتاحة.

ثانيًا: الخلل في القوانين التي تفصّل الدستور

لا يضع الدستور جميع القواعد والإجراءات التفصيلية، بل يحيل في مسائل متعددة إلى قوانين يصدرها البرلمان.

فالمادة 13، مثلًا، تكفل حرية إبداء الرأي قولًا وكتابة، وحرية الطباعة والاجتماع وتأليف الجمعيات، ضمن دائرة القانون.

لكن وجود هذا الضمان الدستوري لا ينهي البحث؛ إذ ينبغي فحص القانون الذي ينظم ممارسة هذه الحريات، والتحقق مما إذا كان يحميها فعلًا، أم يضع قيودًا تتجاوز مقتضيات تنظيمها، أم يترك ثغرات تؤثر في ممارستها.

وقد يكون الخلل في غياب قانون مطلوب، أو في مضمون قانون قائم، أو في طريقة تطبيقه. وقد يثير التفويض التشريعي نفسه سؤالًا عن مدى كفاية الضمانات التي وضعها الدستور.

وهكذا لا يجوز أن ننسب كل قصور في ممارسة حق دستوري إلى الدستور، كما لا يجوز أن نعفي النص الدستوري من الفحص لمجرد وجود قانون يتصل به.

ثالثًا: الخلل في التفسير

قد يكون النص موجودًا، لكن قراءته تثير خلافًا بين جهات أو اجتهادات مختلفة، بحيث يستند كل طرف إلى حجج يراها مؤيدة لموقفه.

ومن الأمثلة البارزة الخلاف المتكرر حول النصاب اللازم لانعقاد جلسات انتخاب رئيس الجمهورية، والعلاقة بين النصوص الدستورية ذات الصلة بالانتخاب وانعقاد مجلس النواب.

وهنا يجب ألا نكتفي بعزل مادة واحدة عن سائر المواد المرتبطة بها، بل ينبغي قراءة النصوص مجتمعة، وفحص الحجج القانونية لكل تفسير، والتمييز بين الاختلاف في فهم النص والاختلاف في الممارسة السياسية.

كما ينبغي تحديد الجهة المختصة بحسم كل نزاع، ضمن صلاحياتها الدستورية والقانونية، والتحقق من مدى توافر آلية فعالة وفي الوقت المناسب لمعالجة الخلاف.

فوجود خلاف تفسيري لا يثبت وحده وجود عيب في النص، كما أن غياب الحسم السريع لا يعني بالضرورة غياب جميع وسائل الفصل القانونية.

رابعًا: الخلل في التطبيق

قد يكون الحكم الدستوري واضحًا، والقانون المنظم له نافذًا، والمسؤولية محددة، ثم لا تلتزم السلطة المعنية بما يوجبه النص.

في هذه الحالة، لا يكون الحل الأول بالضرورة تعديل الدستور، بل فحص أسباب عدم التنفيذ، وتحديد المسؤولية، والبحث في وسائل المساءلة والمحاسبة المتاحة.

لكن علينا أيضًا أن نتحرى ما إذا كان ما يبدو تعطيلًا في التطبيق ناتجًا عن نقص تشريعي أو غموض تفسيري أو غياب آلية مؤسسية. فالتشخيص الدقيق يسبق إسناد المسؤولية.

لماذا يهمّ هذا التمييز؟

لأن العلاج ينبغي أن يتناسب مع موضع الخلل، لا مع الموقف السياسي المسبق.

فإذا كان النقص في النص، فقد يستدعي الأمر تعديلًا دستوريًا محددًا.

وإذا كان الخلل في القانون، فقد تكون الحاجة إلى تشريع جديد أو تعديل قانون قائم.

وإذا كان الخلاف تفسيريًا، فينبغي البحث عن آلية مختصة وفعالة لحسمه وفق الأصول.

أما إذا كان الحكم واضحًا وقابلًا للتنفيذ، لكن السلطة تمتنع عن تطبيقه، فإن المسار الأساسي يكون في تفعيل المسؤولية والمحاسبة.

هذه مسارات أولية للمعالجة، وليست وصفات منفصلة في جميع الأحوال؛ فقد تحتاج المسألة الواحدة إلى أكثر من علاج.

فإذا عالجنا خللًا في التطبيق بتعديل الدستور وحده، فقد نكتب نصًا جديدًا يُعطَّل كما عُطّل النص القديم. وإذا طالبنا بتطبيق نص ناقص من دون معالجة نقصه، فقد نطلب من المؤسسات تنفيذ ما لا يحدده النص بما يكفي.

وفي الحالتين، نكون قد عالجنا مظهر المشكلة بدل أسبابها.

هل الخلل في المواد أم في روح الدستور؟

ثمة اعتراض أعمق على التقسيم السابق، يرى أن المشكلة ليست في مادة بعينها، بل في روح النظام الدستوري نفسه، وفي الأساس الطائفي الذي ينظم جانبًا أساسيًا من الحياة السياسية اللبنانية، بدل الانطلاق من المواطنة المتساوية.

وفق هذا الاعتراض، قد لا يكفي تحسين الصياغة أو استكمال القوانين أو تطبيق المواد؛ لأن الخلل، في نظر أصحابه، بنيوي يتصل بطريقة توزيع السلطة والتمثيل وصنع القرار.

وهذا اعتراض جدي يستحق أن يُعرض بأقوى حججه، لا أن يُرفض مسبقًا أو يُقبل بلا فحص.

لكن فحصه يتطلب الانتقال من الحكم العام إلى مؤشرات قابلة للدراسة: كيف ينظم الدستور المشاركة السياسية؟ وما موقع المواطنة والمساواة في الحقوق؟ وكيف تتوزع الصلاحيات والمسؤوليات؟ وما الذي تنص عليه أحكامه بشأن الإصلاح والانتقال إلى نظام أكثر توافقًا مع مبادئه؟

والسؤال هنا ليس إنكار أثر البنية الطائفية أو التقليل من شأنها، بل تحديد موضع أثرها وحدوده، والتحقق مما إذا كان الخلل شاملًا أم متفاوتًا بين المواد والمؤسسات.

فقد نجد مواد سليمة وواضحة تعرّضت للتعطيل، ومواد أخرى تعاني نقصًا في الصياغة أو الضمانات، إلى جانب أحكام تثير أسئلة أعمق حول بنية النظام نفسه.

ولا يُحسم هذا النقاش بالانطباعات وحدها، بل بقراءة دستورية موثقة، واختبار الأدلة والحجج.

الرأيان قد يصحّان معًا

ليس من الضروري أن يكون أحد الفريقين مصيبًا في كل شيء، والآخر مخطئًا في كل شيء.

قد يصيب دعاة التغيير حين يشيرون إلى نقص حقيقي في بعض الأحكام، ويصيب المدافعون عن الدستور حين يشيرون إلى مواد واضحة لم تُطبّق.

وقد يخطئ الفريق الأول حين يعمم عيبًا محددًا على الدستور كله، كما قد يخطئ الفريق الثاني حين يعتبر سلامة بعض المواد دليلًا على كفاية النصوص جميعها.

لذلك ننطلق من فرضية قابلة للاختبار والمراجعة، لا من نتيجة مقررة سلفًا: قد تتوزع مواطن الخلل بين النص والتشريع والتفسير والتطبيق، وقد تتداخل، وقد تكشف الدراسة عن مشكلات بنيوية أوسع.

والسؤال الذي نريد أن نطرحه على الطرفين هو:

أين يصدق كل منهما، وأين لا يصدق؟ وما الأدلة التي تؤيد كل موقف أو تحدّ من نطاقه؟

كيف سيعمل «الميزان الحضاري»؟

يعمل مشروع «الميزان الحضاري» على إعداد ورقة بحثية بعنوان «الدستور اللبناني في الميزان»، تقوم على فحص المواد والمسائل الدستورية ذات الصلة، مادةً مادة، مع مراعاة أن بعض المسائل لا يمكن فهمها إلا بقراءة مجموعة من المواد معًا.

وسنطرح، في كل مسألة، أسئلة موحدة:

هل الحق أو الواجب محدد بوضوح؟

من الجهة المسؤولة عن تنفيذه؟

هل توجد مهلة دستورية أو قانونية، حيث تقتضي طبيعة المسألة ذلك؟

ما الأثر المترتب على الإخلال بالواجب أو تجاوز المهلة؟

هل توجد جهة مختصة وآلية فعالة لحسم النزاع أو ضمان التنفيذ؟

هل يوجد نقص أو سكوت دستوري جوهري، وفق معيار معلن يمكن مناقشته؟

وما نوع الخلل المرجح: نصي، أم تشريعي، أم تفسيري، أم تطبيقي، أم مركب؟

وسنميز في كل نتيجة بين النص الموثق، والواقعة المثبتة، والاستنتاج التحليلي، والمسألة التي لا تزال موضع خلاف. كما سنحدد درجة الثقة في التصنيف، ونترك النتائج قابلة للمراجعة في ضوء الأدلة والاعتراضات الجديدة.

بهذا لا يكون «الميزان» مجرد استعارة في عنوان السلسلة، بل منهجًا لفحص العلاقة بين الحقوق والواجبات، والصلاحيات والمسؤوليات، والمهل والنتائج، والنصوص وآليات إنفاذها.

وقد استُلهم إطار هذا المنهج من مفهوم الميزان في الآية 25 من سورة الحديد، بوصفه مصدراً لأسئلة الفحص، لا مرجعيةً ملزمة للقارئ. وسنعرض ذلك في حلقة خاصة بالمنهج.

ثلاث قواعد لا نحيد عنها

أولًا، لن ننقل نصًا دستوريًا إلا بعد مقابلته بالنسخة الرسمية المعتمدة لدى مجلس النواب، مع توثيق مصدر النص وتعديلاته ذات الصلة. فقد وجدنا أثناء العمل نسخًا متداولة تستدعي التحقق من فروقات لفظية قد تؤثر في الفهم.

ثانيًا، سنعرض أقوى الحجج التي يقدمها أصحاب المواقف المختلفة، ونستمع إلى اعتراضاتهم، ونعمل على نشر ما يوافقون على نشره بأسمائهم وإذنهم، من دون أن يعني ذلك تبني مواقفهم.

ثالثًا، سنصحح أخطاءنا علنًا متى ثبتت، وسنراجع تصنيفاتنا حين تظهر أدلة أقوى أو تتبين محدودية استنتاجاتنا.

ولن تكون أي جهة، بما فيها فريق العمل نفسه، معفاة من الفحص والنقد.

ماذا بعد؟

نبدأ في المقال الثاني بانتخاب رئيس الجمهورية، بوصفه نموذجًا عمليًا لاختبار المنهج.

سنضع النصوص الدستورية ذات الصلة في سياقها الصحيح، ونميز بين ما يقوله النص صراحة، وما يستند إلى تفسير قانوني، وما استقر أو جرى عليه العرف والممارسة، وما يحتاج إلى توثيق إضافي.

وسنفحص، كلًّا على حدة، النصاب اللازم لانعقاد الجلسة، والأكثرية المطلوبة للانتخاب، والمهل والإجراءات المرتبطة بالاستحقاق، والآثار المترتبة على التعطيل، وحدود الاختصاص في حسم الخلافات.

ولن نفترض مسبقًا أن الخلل في النص أو التفسير أو التطبيق؛ بل سنترك للأدلة أن تحدد النتيجة.

إن غايتنا ليست الدفاع عن الدستور القائم ولا الدعوة المسبقة إلى استبداله، وليست الانتصار لـ«هيئة إعداد الدستور» أو لـ«جماعة حماة الدستور». غايتنا أن نقدم مساهمة بحثية مستقلة تساعد اللبنانيين على التمييز بين ما يحتاج إلى تعديل، وما يحتاج إلى تشريع، وما يحتاج إلى حسم تفسيري، وما يحتاج إلى تطبيق ومحاسبة.

فبعد قرن على صدور الدستور، يستحق اللبنانيون نقاشًا لا يبدأ بالشعارات ولا ينتهي عندها، بل يقوم على النصوص الموثقة والحجج القابلة للفحص والنتائج القابلة للمراجعة.

نرحب بكل ملاحظة أو اعتراض أو مساهمة علمية، لأن النقد جزء من المنهج، لا تهديد له.

فالميزان لا يستقيم بكفّة واحدة.

مشروع الميزان الحضاري
جمعية عينا المدينة اللبنانية
منصة عشرة

الترخيص: المشاع الإبداعي — النسب، الترخيص بالمثل 4.0 دولي (CC BY-SA 4.0)


اكتشاف المزيد من عَشرة | منصّة عَشَرة للمحتوى الموزون

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

موضوعات ذات صلة