أعمال خرسانية صامتة في «دالية الروشة»: خبير مستقل يوثّق الاعتداء ويحذّر من اندثار أرشيف بيروت البيئي والأثري

أعمال خرسانية صامتة في «دالية الروشة»: خبير مستقل يوثّق الاعتداء ويحذّر من اندثار أرشيف بيروت البيئي والأثري

بيروت – منصة عشرة

تتواصل منذ أواخر أيلول/سبتمبر 2026 أعمال تركيب كتل خرسانية ضخمة ومدّ حمايات صخرية على حافة ساحل «دالية الروشة» وداخل مياه خليجها الصغير، في خطوة إنشائية صامتة تفتقر حتى اللحظة لأي إفصاح رسمي عن طبيعة المشروع، الجهة المنفذة، أو التراخيص القانونية الممنوحة له.

وقد كشف تقرير أولي أعدّه الباحث المستقل أسيالا أحمد (الإصدار 1.4، الصادر في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2026)، استناداً إلى توثيق ميداني مصور ومقاطع فيديو جرى التقاطها يومي 29 و30 أيلول، عن نشاط مكثف للآليات الثقيلة في أحد آخر الشواطئ الطبيعية المفتوحة للعامة في العاصمة اللبنانية.

توثيق ميداني بالصور: ماذا يجري عند خط الماء؟

أثبت التقرير الميداني، المدعّم بملحق مصور شامل، حركة إنشائية متصاعدة عند مدخل الخليج وعلى رفوفه الصخرية:

  • كتل خرسانية داخل البحر: إرصاء كتل خرسانية مستطيلة الشكل داخل الماء عند مدخل الخليج الصغير، بأسلوب يشبه بداية إنشاء رصيف أولي أو حاجز مائي.
  • كاسرات أمواج وتغطية الشاطئ: تركيب كتل حماية خرسانية ضخمة (دروع كاسرات الأمواج) على الرف الصخري المباشر عند خط الماء.
  • تجريف وتسوية للسطح: انتشار رافعتين وحفارة وغرفة موقع، مع تسوية سطح رأس الدالية وفرشه بالحصى لتسهيل حركة الآليات، فضلاً عن رصد جدار من حجارة كبيرة مرصوصة خلف الكتل الخرسانية.

حرص التقرير على اعتماد منهجية علمية تميّز بين المثبت بوضوح (وجود الكتل والآليات والعمليات الإنشائية)، والمرجّح (تأثير الجدار الحجري والأرصفة البيولوجية)، وما يحتاج إلى تحقق بليغ؛ حيث أشار إلى أنه لم يُسجّل حتى الآن ردم كامل للمسافة الواقعة خلف الكتل الخرسانية، كما لم يتم التثبت رسمياً من الشائعات الشفهية المتداولة في الموقع والتي تزعم أن المشروع مجرد “مرفأ للصيادين”.

قيمة ثلاثية أبعاد: بيئة محمية، ورشة صوّان، وأرشيف مناخي

لا تكمن خطورة الأعمال الجارية في تغير معالم الشاطئ فحسب، بل في كون «الدالية» موقعاً يجمع قيمة بيئية، أثرية، وجيومورفولوجية نادرة وثقتها الأبحاث العلمية على مدى عقود:

  1. الموئل البيولوجي المحمي: يحتضن الساحل الصخري للدالية أرصفة بيولوجية وردية تشكلها رخويات القواقع الحلزونية من نوع (Vermetid – وتحديداً Dendropoma petraeum/anguliferum) والطحالب المرجانية. وتُعد هذه الأرصفة بَنَى بيولوجية مهددة بالانقراض ومدرجة في المحق الثاني لبروتوكول المناطق المحمية التابع لاُتفاقية برشلونة، حيث تستغرق قروناً لتشكلها ولا يمكن تعويضها إذا ما دُفنت تحت الردميات.
  2. آخر ورشة صوّان ما قبل تاريخية في رأس بيروت: بحسب الدكتورة كورين يزبك، عالمة آثار ما قبل التاريخ في الجامعة اللبنانية، فإن ميناء الدالية يمثل «ورشة صوّان في موقعها الأصلي» كما تركها إنسان العصر الحجري النحاسي (الأنيوليثي). وتؤكد المراجع التاريخية (مثل أبحاث ديسريب 1921 وسعيدة 1970) أنه أثرى مصنع للصوّان على ساحل شمال المشرق. ومن أصل 14 موقعاً أثرياً مسجلاً في رأس بيروت، دُمّرت كافة المواقع بفعل التمدد العمراني ولم يتبقَّ سوى موقع ميناء الدالية، وهو ما دفع «صندوق الآثار العالمي» (WMF) لإدراج الدالية عام 2016 ضمن قائمة المواقع المهددة.
  3. أرشيف جيومورفولوجي متفرّد: تتميز الدالية بمصاطب بحرية قديمة (خاصة مصطبة الـ 15 متراً) تشكل أرشيفاً حياً لتغيرات مستوى البحر والنشاط التكتوني في شرق المتوسط عبر آلاف السنين. ويُحذر الباحثون من أن طمر هذه المصاطب يُغلق أسئلة علمية مفتوحة حول تاريخ نشأة الساحل اللبناني قبل إتمام دراستها.

تداعيات بيئية محتملة على الطاولة

عرض التقرير التداعيات البيئية كمرتكزات تحذيرية تتطلب دراسة رسمية فورية:

  • خنق الموائل القاعية: تسبب الردميات وأعمال الغرس في إثارة الرواسب وتعكير المياه وحجب الضوء عن الكائنات البحرية.
  • عزل الخليج: وضع الكتل المستطيلة عند مدخل الخليج شبه المغلق يقلل من تبادل المياه مع البحر المفتوح، مما يؤدي إلى تراكم الملوثات وتغيير اتجاهات الأمواج والتيارات الساحلية.
  • تدمير التراث وفقدان المجان: الخشية من الإضرار الدائم بالطبقات الأثرية المتبقية، وحرمان المواطنين والصيادين من الوصول الحر إلى واحد من آخر المساحات الشاطئية المفتوحة في العاصمة.

مطالب عاجلة بالشفافية والتقييم القانوني

أمام هذا الواقع الميداني، يوجه التقرير والجهات المتابعة مطالب صريحة للجهات الرسمية المعنية:

  1. الشفافية المطلقة (محافظة وبلدية بيروت، وزارة الأشغال العامة والنقل): الإفصاح الفوري عن طبيعة المشروع، حدوده، الجهة المنفذة، وهل ينطوي على استثمار أو ردم للأملاك البحرية العامة.
  2. تطبيق القانون البيئي (وزارة البيئة): نشر دراسة تقييم الأثر البيئي (EIA) الكاملة المفروضة حكماً بموجب المرسوم 8633/2012 الخاص بالمناشاريع المقامة في مناطق حساسة بيئياً.
  3. التوقف والمسح الميداني المستقل: إجراء مسح بيولوجي شامل للشريط الساحلي والمغمور عبر المركز الوطني لعلوم البحار (CNRS-L)، ومسح أثري دقيق تتولاه المديرية العامة للآثار بالتعاون مع متخصصين في آثار ما قبل التاريخ قبل إضافة أي كتل جديدة، مع التأكيد على صون حق الناس والصيادين في استخدام الشاطئ.

تؤكد منصة «عشرة»، بالتعاون مع صفحات الإعلام البيئي والباحثين المستقلين، استمرارها في متابعة الملف وتوثيق التطورات الميدانية من نقطة التوثيق الثابتة للوقوف على مصير دالية الروشة وحمايتها من أي تجاوزات.


اكتشاف المزيد من عَشرة | منصّة عَشَرة للمحتوى الموزون

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

موضوعات ذات صلة