بين النفايات والعدوان: البلديات الجنوبية في معركة التعافي
بين النفايات والعدوان: البلديات الجنوبية في معركة التعافي
حين تحدّثت وزيرة البيئة تمارا الزين من صيدا عن دعم البلديات الجنوبية، لم يكن كلامها محصوراً في تسليم آليات ومعدّات لإدارة النفايات. بل بدا وكأنها تضع إصبعها على جرحٍ أعمق: أزمة البلديات في لبنان، التي لم تعد أزمة خدماتية فحسب، بل أزمة وجودية تتعلق بقدرتها على الصمود أمام الانهيار المالي والاقتصادي، ثم أمام العدوان الإسرائيلي المتكرر.
البلديات بين الاستنزاف والعدوان
منذ سنوات الأزمة، استُنزفت البلديات تدريجياً، وفقدت مواردها التشغيلية، حتى باتت عاجزة عن تأمين أبسط الخدمات. ثم جاء عدوان 2023–2024 ليضيف أعباء جديدة، قبل أن يفاقم عدوان 2026 المشهد، مخلّفاً دماراً واسعاً في البنى التحتية والمنازل والموارد المحلية. في هذا السياق، تصبح إدارة النفايات واحدة من أكثر الخدمات عرضة للانهيار، لأنها تتطلب استمرارية تشغيلية ومالية لا تحتمل الانقطاع.
النفايات كمرآة للصمود
قد يبدو الحديث عن النفايات تفصيلاً ثانوياً أمام مشهد الدمار، لكن الزين أوضحت أن الحفاظ على هذه الخدمة يرتبط مباشرة بالصحة العامة والبيئة، وبقدرة المجتمعات على الصمود. فالنفايات ليست مجرد عبء يومي، بل هي مؤشر على قدرة الدولة والمجتمع على الاستمرار في الحياة الطبيعية وسط الأزمات. حين تتوقف خدمة جمع النفايات، يتوقف معها الإحساس بالاستقرار، وتنهار الثقة بين المواطن وسلطته المحلية.
الدعم الدولي كرافعة مؤقتة
مشروع «تدوير» المموّل من الاتحاد الأوروبي والمنفَّذ بالشراكة مع الـ UNDP، ليس مجرد مبادرة تقنية. إنه استثمار سياسي–اجتماعي في قدرة البلديات على استعادة جزء من إمكاناتها التشغيلية. لكن الزين شدّدت على أن هذا الدعم لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإصلاحات الداخلية، بل مرحلة انتقالية تتيح للبلديات التقاط أنفاسها إلى أن تستعيد استقلاليتها.
الإصلاح بين المثال والواقع
الوزيرة لفتت إلى أن الإصلاحات التنظيمية والمالية لا يمكن تطبيقها بالوتيرة نفسها في كل المناطق. بلدية ما تزال تعاني من دمار واسع لا يمكن أن تُعامل كبلدية أخرى أكثر استقراراً. هنا يبرز مفهوم «العدالة في التعافي»: أي أن الإصلاح يجب أن يراعي الفوارق الميدانية، وأن يمنح البلديات الأكثر تضرراً وقتاً ودعماً إضافياً قبل أن تُحمَّل مسؤوليات جديدة.
البعد الحضاري للتعافي
ما يطرحه كلام الزين يتجاوز التقنية إلى الفلسفة الحضارية: كيف يمكن لمجتمع أن يوازن بين الحاجة إلى الإصلاح والاستقلالية، وبين الواقع القاسي الذي يفرض دعماً خارجياً ودوراً أكبر للدولة؟ هذا هو «الميزان الحضاري» الذي يواجهه لبنان اليوم: أن يخطو نحو استقلالية البلديات، لكن من دون أن يتركها وحيدة في مواجهة أعباء تفوق قدراتها.
خلاصة
الآليات التي تسلّم اليوم ليست مجرد شاحنات أو معدّات، بل هي رموز لمرحلة انتقالية، حيث يصبح التعاون الدولي والدعم المؤسسي شرطاً لبقاء البلديات على قيد الحياة. التعافي في الجنوب لن يكون سريعاً ولا سهلاً، لكنه يحتاج إلى رؤية واقعية، تُدرك أن النفايات ليست مجرد خدمة بلدية، بل هي خط الدفاع الأول عن الصحة العامة، وعن كرامة المجتمعات في مواجهة العدوان والانهيار.
اكتشاف المزيد من عَشرة | منصّة عَشَرة للمحتوى الموزون
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
