إلى أصحاب الأموال في لبنان والمهجر… مريض ينتظر منكم يدًا تمتدّ إليه

إلى أصحاب الأموال في لبنان والمهجر… مريض ينتظر منكم يدًا تمتدّ إليه
الحلقة الثالثة
قد يظنّ بعض الناس أن المساعدة الكبيرة وحدها تصنع فرقًا، وأن كفالة مريض تحتاج إلى ثروة أو مؤسسة ضخمة. لكن الحقيقة أن مساهمات صغيرة ومنظمة، حين تجتمع ضمن آلية موثوقة، يمكن أن تخفّف عن أسرة عبئًا لا تستطيع حمله، وأن تمنح مريضًا فرصة للاستمرار في العلاج والرعاية.
من هنا، أتوجه إلى أصحاب الأموال في لبنان والمهجر، وإلى العائلات الميسورة، ورجال الأعمال، وأهل الخير، وصناديق الزكاة والأوقاف والجمعيات الخيرية: هناك مرضى لا يحتاجون إلى كلمات المواساة وحدها، بل إلى مساعدة عملية تمنع انقطاع علاجهم أو تهديد إقامتهم في مؤسسة ترعاهم.
حقّ السائل والمحروم
يقول الله تعالى:
﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩].
ويقول سبحانه:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: ٢].
هاتان الآيتان تضعان أمامنا معنى يتجاوز العاطفة العابرة: المال ليس مجرد وسيلة لتأمين حاجات صاحبه، بل قد يكون سبيلًا إلى رفع مشقة عن إنسان لا يملك دفعها عن نفسه، وإلى حماية كرامة أسرة أنهكتها الأزمات.
ولا يعني هذا أن نخلط بين الزكاة الواجبة والصدقة التطوعية. فالزكاة لها أحكامها ومصارفها الشرعية وشروطها، ولا يكفي أن تكون الحالة محتاجة حتى نجزم تلقائيًا بجواز صرف الزكاة إليها في كل صورة. لذلك، من أراد تخصيص زكاته لكفالة مريض أو تسديد كلفة إقامته، فليستأنس برأي مفتٍ موثوق أو صندوق زكاة معتمد، ليتحقق من انطباق المصارف الشرعية على الحالة وطريقة الدفع.
أما الصدقة التطوعية، فيمكن أن تكون بابًا أوسع للمساهمة في تخفيف أعباء المرض والرعاية، ضمن الضوابط القانونية والمالية التي تحفظ حق المتبرع وكرامة المستفيد.
الحاجة ليست انطباعًا… بل بيانات موثقة
خلال جائحة كورونا، أطلقت جمعية عينا المدينة اللبنانية «الاستمارة الموحدة» لاستقبال طلبات المساعدة من الأسر المحتاجة في لبنان. وبين كانون الأول 2020 وأيلول 2021، جُمعت بيانات تاريخية عالجتها الجمعية وراجعتها، وانتهت إلى 248 ألف طلب صالح، تعود إلى نحو 181 ألف أسرة تضم أكثر من 833 ألف شخص، بينهم أكثر من 232 ألف طفل.
هذه الأرقام ليست إحصاءً لواقع 2026، ولا يجوز التعامل معها على أنها عدد الأسر المحتاجة اليوم. إنها خط أساس تاريخي يكشف حجم الطلبات التي وصلت إلى الجمعية في تلك الفترة، ويؤكد أهمية تحديث البيانات لمعرفة ما تغيّر في أوضاع الأسر.
ومن بين المؤشرات التي تستحق التوقف عندها أن 7,355 أسرة طلبت المساعدة في الدواء والاستشفاء، وأن 33,682 أسرة كان فيها شخص ذو إعاقة، فيما ضمّت 61,150 أسرة شخصًا تجاوز الستين من العمر.
وراء كل رقم احتمال وجود إنسان يحتاج إلى دواء لا يستطيع شراءه، أو كبير سن يحتاج إلى رعاية، أو شخص ذي إعاقة تتجاوز احتياجاته قدرة الأسرة على التحمل. لكننا لا نستطيع افتراض أن هذه الحالات ما زالت جميعها محتاجة اليوم، ولا أن الأعداد تمثل الحالات الصحية الراهنة. لذلك، تعمل الجمعية على تحديث بياناتها والتحقق من استمرار الحاجة، بموافقة الأسر واحترام خصوصيتها.
من التبرع العابر إلى كفالة منظمة
ما نحتاج إليه ليس حملة تنتهي بانتهاء تداول خبر أو صورة، بل آلية واضحة تتيح للمتبرع معرفة نوع المساعدة التي يساهم فيها، وتضمن أن تُوجَّه الأموال وفق الغرض المتفق عليه، مع توثيق المبالغ وأوجه الصرف.
يمكن أن تبدأ المساهمة بكفالة شهرية محددة لمريض يحتاج إلى إقامة مستمرة، أو تغطية دواء موصوف، أو المساهمة في فاتورة علاج، أو المشاركة في تأمين احتياجات أسرة تضم شخصًا ذا إعاقة أو كبيرًا في السن. ويمكن أن تتوزع كلفة الحالة الواحدة على عدد من المساهمين، بدل أن تقع كاملة على شخص واحد أو أسرة واحدة.
وتقترح جمعية عينا المدينة اللبنانية العمل على ربط الحالات التي يجري التحقق منها بأصحاب الأموال وأهل الخير، وبشبكات المغتربين اللبنانيين الراغبين في مساندة المجتمع. وهذا مسار تسعى الجمعية إلى تطويره، وليس ادعاءً بوجود برنامج كفالة مكتمل أو تمويل مضمون لكل حالة.
وقبل إطلاق أي كفالة، ينبغي تحديد الجهة التي ستتلقى المبلغ، وما إذا كان الدفع سيذهب إلى المؤسسة الراعية مباشرة أو إلى جهة وسيطة مخوّلة، وتحديد المستندات المطلوبة لإثبات الحاجة والصرف. كما يجب الحصول على موافقة مناسبة من المريض أو ممثله القانوني حيث يلزم، وعدم نشر اسمه أو صورته أو ملفه الطبي لإقناع الناس بالتبرع.
فالشفافية لا تعني كشف خصوصية المريض، بل تقديم ما يكفي لإثبات سلامة الإجراء: وصف عام للحالة، وكلفة موثقة، وهدف محدد للمساعدة، وإيصال أو مستند يثبت الصرف، وتقرير يوضح ما أُنجز.
لماذا لا نكتفي بمساعدة حالة واحدة؟
إن إنقاذ حالة واحدة له قيمة كبيرة، لكن تكرار الحاجة نفسها في أسر كثيرة يكشف ضرورة الجمع بين المساعدة المباشرة والمطالبة بحلول عامة. فالكفالة يمكن أن تمنع انقطاع رعاية مريض اليوم، لكنها لا تعوّض وحدها عن تغطية صحية مستدامة، ولا تحل مشكلة تمويل المؤسسات الرعائية، ولا تعفي الدولة من مسؤولياتها.
لهذا، نحتاج إلى مسارين متوازيين: مسار عاجل لمساعدة الحالات التي لا تحتمل الانتظار، ومسار طويل الأمد للمطالبة بسياسات صحية واجتماعية عادلة، وتمويل واضح، وتعاون بين المؤسسات الرسمية والرعائية والخيرية.
ولا ينبغي أن تكون المساعدة منافسة بين مرضى السرطان والمرضى النفسيين ومرضى غسيل الكلى وكبار السن وذوي الإعاقة. لكل حالة حاجتها ودرجة خطورتها، والمطلوب أن تُوجّه المساهمات وفق معايير معلنة، وأن تُعطى الأولوية للحالات الأشد إلحاحًا، لا للأكثر قدرة على الظهور الإعلامي.
دعوة إلى خطوة عملية
أدعو كل شخص قادر على المساهمة إلى أن يبدأ بخطوة يمكن تنفيذها: كفالة شهرية بمبلغ معلوم، أو تغطية دواء لفترة محددة، أو المساهمة في فاتورة إقامة، أو دعم جهة رعائية موثوقة بعد الاطلاع على حاجتها ومستنداتها.
وندعو صناديق الزكاة والأوقاف والجمعيات الخيرية إلى دراسة إنشاء مسارات تنسيق واضحة مع المؤسسات التي ترعى المرضى، مع التحقق من الحالات وتحديد الاحتياجات الفعلية وتوثيق المساهمات. كما ندعو المغتربين اللبنانيين إلى توجيه جزء من عطائهم نحو حالات موثقة في بلدهم، ضمن آليات تحفظ حقوق جميع الأطراف.
يمكن التواصل مع جمعية عينا المدينة اللبنانية عبر:
الموقع: lb-cityeyes.org
البريد الإلكتروني: info@lb-cityeyes.org
الهاتف: 0096170197232
نحن لا نطلب من الناس أن يثقوا بمجرد نداء، بل نريد أن نبني الثقة من خلال التحقق والتوثيق والشفافية، وأن نربط المساعدة بحاجة واضحة، من دون استغلال معاناة المريض أو تعريض خصوصيته للخطر.
إن المريض الذي ينتظر دواءه أو يخشى فقدان مكان رعايته لا يستطيع انتظار إصلاح كل السياسات. لكنه يستحق في الوقت نفسه ألا يُترك مستقبل علاجه رهين حملة عابرة.
في الحلقة الرابعة، سننتقل من واجب التضامن الفردي إلى سؤال الرقابة العامة: ما حجم المساعدات الصحية المعلنة للبنان، وما الذي وصل منها فعلًا إلى البرامج والحالات الأكثر ضعفًا؟ وكيف يمكن نشر البيانات من دون اتهام مسبق أو أحكام بلا أدلة؟
أحمد خالد ستيتة
رئيس جمعية عينا المدينة اللبنانية
مدير تحرير منصة عشرة – 10lebanon.com
اكتشاف المزيد من عَشرة | منصّة عَشَرة للمحتوى الموزون
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
