سلاح البيانات: كيف يوثق علماء لبنان دمار الحرب بالخرائط والأرقام؟
بيروت — على شاشة ضخمة داخل أروقة “المجلس الوطني للبحوث العلمية اللبنانية” (CNRS-L) في منطقة جناح جنوبي بيروت، لا تتوقف الألوان والرموز عن الحركة. طائرات حربية مصغرة تكشف كثافة الغارات، ونقاط ملونة ترسم بدقة أماكن سقوط الفسفور الأبيض، ومساحات شاسعة تعكس جغرافيا القرى والبلدات التي هُجِّر أهلها قسراً. هذا ليس مركزاً لإدارة العمليات العسكرية، بل هو “المختبر العلمي” للدولة اللبنانية، حيث تحول باحثون شباب — اعتادوا سابقاً رصد الكوارث الطبيعية — إلى وثائقيين لآثار الحرب وضراوتها.
منذ أن تجددت الحرب في الثاني من آذار/مارس 2026، أخذت هذه المؤسسة الحكومية المرتبطة مباشرة برئاسة مجلس الوزراء على عاتقها مهمة بناء أضخم قاعدة بيانات مكانية وزمنية تتبع تفاصيل الدمار اليومي في البلاد، والتي أسفرت حتى الآن عن استشهاد زهاء 3,700 شخص.
من العاطفة إلى العلم
يرى الدكتور شادي عبد الله، مدير المجلس، أن هذا العمل يمثل “نقطة تحول مرجعية” للسلطات اللبنانية. فالبيانات الموحدة اليوم تسد ثغرات سنوات طويلة كان الاعتماد فيها شبه كلي على المنظمات غير الحكومية لتوثيق الحروب. ويؤكد عبد الله، وهو جيولوجي متمرس، أن الهدف يتجاوز مجرد الأرشفة:
”إن اللجوء إلى المعلومات العلمية الدقيقة، بدلاً من الخطاب العاطفي، هو ما سيمكن لبنان من إيصال صوته بقوة في الخارج ومواجهة السردية الإسرائيلية المؤثرة”.
وتشكل هذه البيانات دليلاً حيوياً للحكومة لتحديد أولويات إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي فور توقف الآلة العسكرية، ولا سيما مع اتساع رقعة الأضرار لتشمل القطاع الزراعي والمباني السكنية والبنى التحتية الحيوية كشبكات المياه والجسور.
حصار تكنولوجي وعمل في “أجواء ديستوبية”
لم تكن مهمة الفريق العلمي مفروشة بالورود؛ إذ يصطدم الباحثون بحجب القوى الغربية (الأوروبية والأمريكية) للصور الفضائية عالية الدقة الخاصة بمناطق النزاع لأسباب سياسية. ولمواجهة هذا الحصار الرقمي، اضطر المجلس لرصد ميزانية ضخمة تبلغ 75 ألف دولار لشراء صور أقمار صناعية صينية تغطي الجنوب اللبناني، إلى جانب الاعتماد على الرادارات الأوروبية منخفضة الدقة المتاحة مجاناً، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، ومقاطع الفيديو الميدانية.
ويترافق هذا التحدي التقني مع خطر أمني وسيبراني مستمر؛ إذ تتعرض خوادم المركز (Servers) لهجمات إلكترونية متواصلة لحساسية ما تحتويه من معلومات، مما دفع الإدارة لحظر وصول العموم إلى قاعدة البيانات وتأمينها بشكل مشدد.
في مكاتب الجناح، وعلى وقع أزيز طائرات الاستطلاع الإسرائيلية “المسيرات” التي لا تغادر سماء العاصمة، يواصل العلماء عملهم. تصف آية حسون، مساعد باحث في الجيومعلوماتية البيئية والنازحة بدورها من جنوب لبنان، هذه التجربة بأنها “عمل في ظروف ديستوبية (سوداوية)”. في حين يرى زميلها حسن سابح، الأخصائي في علم الهيدرولوجيا، أن إظهار حجم الدمار هو “واجب أخلاقي تجاه الشهداء والذين فقدوا بيوتهم وعائلاتهم”.
معركة قانونية مؤجلة
إلى جانب التخطيط للمستقبل، تكتسب قاعدة البيانات هذه أهمية قصوى في معركة لبنان القانونية المرتقبة ضد إسرائيل. ويجري تنسيق وثيق بين المجلس و”لجنة القانون الدولي الإنساني” برئاسة نائب رئيس الوزراء طارق متري، لتأهيل الباحثين على توثيق الانتهاكات وفق المعايير الدولية، مثل رصد “الضربات المزدوجة والثلاثية” التي تستهدف فرق الإسعاف والدفاع المدني عمداً.
وفي سياق متصل، تقود جهات نيابية حراكاً تشريعياً لمواكبة هذا الجهد العلمي؛ حيث تقدمت النائبة المستقلة حليمة قعقور بمشروع قانون في الأول من حزيران/يونيو الجاري لدمج “جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية” في القانون المحلي اللبناني، بهدف تمكين المحاكم الوطنية من فتح تحقيقات وملاحقة مرتكبي هذه الجرائم استناداً إلى الأدلة العلمية الموثقة.
بين أرقام الخسائر وخطوط الخرائط، يثبت العلماء اللبنانيون أن الأبحاث العلمية ليست ترفاً أكاديمياً، بل هي خط الدفاع الأول لحفظ الذاكرة الوطنية، وبناء خطة الإنقاذ، وتأسيس ملفات العدالة القادمة وإن طال زمنها.
