الأصالة المشرقية نغم وتناسق وانسياب

نشرت من قبل 10lebanon في

الأصالة المشرقية نغم وتناسق وانسياب

الدكتورة فيفيان حنا الشويري/الجامعة اللبنانية

حين نتحدث عن أي من ضروب الفنون العربية تطالعنا “السجية” أو “السليقة”، فاللغة حُكيت قبل أن توضع القواعد؛ والشعر نُظم قبل أن توضع التفعيلات والعروض؛ والموسيقى عُزفت قبل أن توضع ما يسمى النوتة أو العلامات الموسيقية التي يقرأها العازفون ويتناغمون كجوقة متجانسة؛ والغناء أسبق بالسليقة منه بالتعلم. والملفت أن التقليديين مصرّون أن الإلقاء بالسجيّة أرفع شاناً وقيمة من التعلّم والتلقين.
والترتيل القرآني وقد أوكلت مهمّته لبلال من قبل الرسول الأكرم (ص) يُعرف بالتجويد وكذلك بالتلاوة، غير أن رفع الآذان لا يتمّ إلا ترتيلاً أي نغماً، لما له من وقع على السمع والنفس ومن أثر في الوجدان إذ لا أحد ينكر ما للنغم من وقع على الروح وانعتاقها عن المادي والسموّ الى ما وراء الملموس.
ولعل وقع الترتيل القرآني السجعي النغم هو الأكثر جذباً للمصلي، وأنا شخصياً أقع تحت تأثير الوقع السجعي الإيقاعي في كلّ ما أسمع شعراً كان أم موسيقى أم أناشيد عسكرية وهو النغم المحبّب لي؛ وفي كلّ مرة أسمع “سورة مريم” وحتى مقروؤة، تترك في نفسي الأثر الكبير بفضل نغم السجع الواضح فيها.
هذا الموضوع المهّم حول “الشعر والموسيقى والقرآن الكريم”، جعل التداعي سيد الموقف وأنا أقرأ عنه مما له من المعاني المترنّمة والتي يضوع منها شذى الأنغام لغة وتعبيراً ومضموناً ورونق الاعجاز القرآني الجليل.
ألخّص هذا التداعي مقارنة مع التراث المشرقي القديم والذي ما زال مستمراً في الطقس الكنسي المشرقي الذي يعرف بالأرثوذكسي البيزنطي أي المستقيم والذي لا يحيد عن القواعد:

التُقى ارتقى والهوى هوى
  • هناك سبعة ألحان لا غير يرتّل فيها القداس ولا يمكن التصرّف بها إطلاقاً ولا تحويرها، فإذا بدأ الترتيل على اللحن الثالث مثلاً، يكمل كل القداس على نفس اللحن، أي لا خلط بتاتاً.
  • لا تُسمح الآلات الموسيقية المرافقة للترتيل إطلاقاً.
  • لا يُسمح للصوت النسائي بالترتيل لا انفراداً ولا مع المجموعة، من منطلق أن لا أنثى تقوم بالطقوس الدينية.
  • وحده الإكليروس أي طبقة السدنة وخدّام الكنيسة منوطة بهم وظيفة الترتيل.
  • الترتيل أشبه بالتجويد القرآني على النمط الحلبي القديم.
  • النوتة الموسيقية عبارة عن شكل السلالم الصغيرة من هنا تسمية “السلم الموسيقي” وهي النوتة العربية الأصلية وليس تلك المعتمدة على أساس رموز النوتة الغربية. وعمادة هذا السلم الربع صوت الذي يميّز اللحن العربي المشرقي عن الغربي.
  • الموسيقى السُريانية الأصلية هي نفسها الموسيقى المشرقية العربية ولكن قد دخل على طقوسها بعد التعديلات بخلاف الموسيقى الأرثوذكسية.
  • من هنا كان أساتذة الموسيقى العربية في “الكونسرفاتوار” أو المعهد الموسيقي الوطني اللبناني يفرضون تعليم التجويد القرآني على كلّ طالب غناء عربي، وهذا شكّل نوعاً من الامتحان الأصعب وبطبيعة الحال نوعاً من التصفيات لأن المسألة تتطلّب كفاءة عالية لا بل مهارة في الأداء، وبذلك حُفظت الموسيقى والغناء من التدهور والابتذال.
  • لا شك أن المحيط العربي الذي انطلق منه الإسلام كان له التأثير الكبير في الترتيل القرآني في بداياته، والذي ما لبث أن وضعت له قواعد وشروط ما زال يتبعها الى اليوم وينبغي أن تراعى بدقة.

0 تعليق

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: